الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

الإسلام والسياسة


تُعد العلاقة بين الإسلام والسياسة من أبرز المواضيع التي شغلت المفكرين المسلمين طوال القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وقد نشأ جراء ذلك ميدانا فكريا خاصا يُسمى (الفقه السياسي) عرض الكاتب حسان عبدالله أبرز اتجاهاته في مقاله المنشور بمجلة التفاهم بعنوان (الفقه السياسي الإسلامي المعاصر)، والذي سألخصه هنا مع بعض النقد.

أولا: إتجاه الخلافة الإسلامية

كانت بداية هذا الاتجاه ردةُ فعل على إلغاء الخلافة الإسلامية والتأييد الذي ناله من بعض المفكرين، فمثلا أظهر الكاتب المصري علي عبدالرزاق مثل هذا التأييد في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، حيث انتهى إلى نتيجة مفادها أن الخلافة لا علاقة لها بالدين، وإنما هي من الأمور التي يُرجع فيها إلى العقل والتجربة، وكذلك الكاتب أنطون فرح الذي أظهر تأييدا صريحا لفكرة علمانية الدولة اعتمادا على عدد من المبادئ أهمها: ضرورة عدم تقييد الفكر الإنساني من أجل مستقبل الإنسانية، واستحالة توحيد المذاهب والفرق الدينية تحت خلافة دينية واحدة.

أما بوادر الرجوع لفكرة الخلافة الإسلامية فظهرت لأول مرة عند الكاتب رشيد رضا في كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى)، والذي ناقش فيه مواضيع كعلاقة الإمامة بإصلاح العالم الإسلامي، وربَط بين نهضة الأمة الإسلامية وفتح باب الإجتهاد المطلق وليس السياسي فحسب، ومن أبرز من تابع هذا الاتجاه الكاتب مصطفى صبري في كتابه (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) حيث اعتبر أن المقصود من الحرية السياسية هو حرية الأمة وليس حرية الحكومة، كما قام بدعوة العلماء للدخول في عالم السياسة. ولعل من أبرز الجماعات التي تبنّت هذا التوجه هي جماعة (الإخوان المسلمين)، والتي رأت أن الخلافة هي رمز وحدة الأمة، وشعيرة إسلامية ينبغي الإهتمام بها، ولكنها وضعت خطوات تمهيدية لها تمثلت في بناء كلا من الفرد والأسرة والشعب والحكومة.

ثانيا: إتجاه الرفض المطلق للنظم السياسية الوضعية

ظهرت جماعات متعددة في العالم الإسلامي اتجهت الى رفض وتكفير جميع النظم السائدة حاضرا وماضيا، واعتبرتها من الجاهلية التي جاء الإسلام ليحاربها، وقد تمثل التوجه الفكري لدى هذه الجماعات بشكل عام على ضرورة إزالة الحاكم الجاهلي وحكومته ليحل محلها حكم الله، وقد أدى هذا التطرف إلى نشوء ظاهرة العنف السياسي في المجتمعات الإسلامية والذي اعتبرته هذه الجماعات جهادا في سبيل الله، ولكن حصل تراجع لبعض قيادات هذا الاتجاه خاصة في منتصف تسعينات القرن الماضي، حيث نشروا رؤى فقهية تصحيحية لكثير من المفاهيم مثل: الجهاد، والتكفير، والغلو.

ثالثا: إتجاه التقريب والمقارنة بين النظام السياسي الإسلامي والديمقراطية الغربية

ينحو هذا الاتجاه إلى خلق حوار موضوعي مع النظام الديمقراطي القادم من الغرب بدل أسلوب الرفض المطلق، وقد كان محمد عبده من أوائل الممثلين لهذا الاتجاه باعتكافه على تصحيح المفاهيم السياسية الإسلامية وخاصة تلك المتعلقة بصلاحيات الحاكم ودور الشعب أو الأمة تجاه حاكمها، ومدى اختلاف هذه المفاهيم عما كانت عليه الأوضاع في أوروبا المسيحية في القرون الوسطى والتي مهدت لعملية فصل المؤسسة الدينية عن المدنية.

فالحاكم في الاسلام - حسب بيان محمد عبده - حتى لو اشتُرط فيه كونه مجتهدا، إلا أن ذلك لا يعطيه أية ميزة أو منزلة أعلى من غيره من طلبة العلم، كما أن طاعته مرهونة بمدى إلتزامه بأحكام القرآن والسنة، والتي متى ما خالفها كان للأمة موقفا ضده سواء بالنصيحة أو الخلع ما دام كل ذلك لا يورث مفسدة أعظم. إذن الحاكم في النظام الاسلامي عند محمد عبده يقترب كثيرا من الحاكم المدني بل والنظام الاسلامي ككل يقترب من النظام الغربي في فصل المؤسستين الدينية والمدنية.
تابع بعض المفكرين هذا الاتجاه بمزيد من التنظير، فمثلا أقر محمد عبدالجبار تحت عنوان (الإسلام والديمقراطية في معركة البناء الحضاري) والسيد عمر تحت (نواة الشورى والديمقراطية: رؤية مفاهيمية) بعض من أوجه الشبه بين النظامين، كالإعتراف بالحرية والتعددية والمؤسسية وتداول السلطة ولامركزيتها ومراقبتها، كما أشاروا إلى عوائق تهيئة المناخ الاسلامي لتجربة ديمقراطية حقيقية لعل أهمها اشتراط العلمانية والرأسمالية للديمقراطية.

أما عن أوجه الإختلاف، فيوضح صوفي أبو طالب في (التعددية الحزبية في الفكر الاسلامي) بعضا منها كتقييد مفهوم التعددية في النظام الاسلامي واهتمامه بالدين والدنيا مقابل اهتمام النظام الديمقراطي الغربي بالدنيا فقط.

رابعا: اتجاه البحث الحقوقي (حقوق الانسان - حقوق أهل الذمة)

في هذا الاتجاه الحديث تدور أبحاث المفكرين الإسلاميين حول توضيح موقف الإسلام المعاصر من فئة غير المسلمين ممن كانوا يُسمون بأهل الذمة قديما، وتذكر الكثير من الأبحاث المعنية اعتراف الاسلام بمبادئ الحرية والعدالة والمساواة تجاه هذه الفئة، حتى أن بعضها ذهب إلى أن هذه الحقوق ضرورات كما عند محمد عمارة وأنها متوافقة تماما مع مقاصد الشريعة، بل حتى ذهبت بعضها إلى ضرورة إلغاء مصطلح (أهل الذمة) واستخدام مفهوم (المواطنة) بدلا عنه كما عند محمد عبدالملك المتوكل. 

خامسا: اتجاه الإجتهاد الإسلامي

ظهرت الحاجة إلى ضرورة إجتهاد نوعي في قضايا الفقه السياسي نتيجة التغيرات التي طرأت في شتى ميادين الحياة، والتي لم تعد الآراء الفقهية القديمة قادرة على استيعابها، ولكن هذه الضرورة – حسب رأي الكاتب - لم يتم سدها تماما في ما عدا بعض المحاولات الفردية التي تمثلت في مواضيع مثل: الحريات كما عند راشد الغنوشي في (الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، والمؤسسية كما عند جمال عطية الذي قدم محاولة جادة بتحديد مؤسسات اسلامية مثل: مؤسسات الإجتهاد والزكاة والعمران والعدل، والتعددية سواء على اطلاقها اعتمادا على نصوص من القرآن والسنة أو التعددية السياسية اعتمادا على أمثلة تاريخية خاصة عهد الخلافة الراشدة، وأخيرا الحكومة، حيث تم طرح السؤال الأهم وهو المتعلق بطبيعة الحكومة في الإسلام، هل هي دينية أم مدنية. وقد اتفقت مختلف الدراسات على اطلاق صفة (الإسلامية) على طبيعة الحكومة معتبرة أنها جامعة لخير الدنيا والآخرة، وهنا أيضا تمت مناقشة محاور مثل: الدستور، ضمانات الحرية، ومراقبة الحاكم.


في رأيي، يمكن دمج الاتجاهات الثلاثة الأخيرة في اتجاه واحد وهو (الإجتهاد الإسلامي)، والسؤال الأهم الذي ينبغي للمفكرين في هذا الاتجاه البدء به هو: ماهي الحاجة لتأسيس السياسة على أساس ديني؟ من الواضح أن الجهد المبذول في هذا الاتجاه أساسه اعتقاد مسبق بشمولية الإسلام، وليس أي اسلام، بل نفسه الإسلام بالفهم التقليدي المعتمد على مجموعة نصوص وتفسيرات قديمة. بالتالي فإن الكاتب غفل أو تغافل عن اتجاه اسلامي يعمل على صياغة قراءة جديدة لأصول الإسلام، وهو اتجاه علماني من حيث السياسة ولكنه مختلف من حيث أنه ينطلق من داخل الدين، ومن فهم خاص لأصول الدين ومفاهيميه، كما عند محمد أركون وأبو زيد وسروش وغيرهم. أضف إلى ذلك أن كل مواضيع الفقه السياسي مازالت في طور التنظير، وتفتقر لتجربة حقيقية للتاكد من مدى فاعليّتها، ولعل تقييم تجربة الدولة الإسلامية في إيران بإمكانه أن يسد هذه الفجوة خاصة بعد التنظير الجبار لمفهوم الدولة الإسلامية الذي قام به مفكرو الثورة الإيرانية إبان تطورها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق