الخميس، 7 يناير، 2016

قراءة الفصل الثالث من كتاب أوراق الوعي للكاتب محمد العجمي في سياق مدرسة العرفان الجديد


قراءة الفصل الثالث (الوعي الديني) في سياق مدرسة العرفان الجديد
 
الملاحظ لقاريء هذا الفصل بأن محور الحديث فيه هو مفهوم "التجربة الدينية" وإن كان المؤلف قد وضعه فقط كعنوان فرعي فيه، فالمؤلف يبدأ بتعريف غير مباشر لهذا المفهوم ومن ثم يتناول مواضيع مختلفة كالعمق الديني والمذاهب الإسلامية وسلطة المجتمع من خلال هذا المفهوم.

ماهو المقصود من "التجربة الدينية"؟

ورد مفهوم "التجربة الدينية" بكثرة في كتابات ما تسمى ب"مدرسة العرفان الجديد" في إيران، والتي من أبرز رموزها المعاصرين: الدكتور عبدالكريم سروس ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان، والذين تُرجمت الكثير من أعمالهم إلى اللغة العربية عن طريق الباحث العراقي المثير للجدل أحمد القبانجي.
لا يختلف المقصود من "التجربة الدينية" عن ذاك المقصود من "التجربة العلمية" كثيرا، فكما – في التجربة العلمية – توجد لدى العالِم مجموعة من التساؤلات المتعلقة بالطبيعة مثلا يدخل بها إلى المختبر العلمي الذي يتعامل فيه مع مجموعة من الأدوات والمعدات، وفي النهاية يصل إلى نتيجة أو مجموعة من النتائج قد تتفق أو تختلف مع نظرياته الإبتدائية، وتكون هذه النتائج مفتوحة للتغيير والتطوير عن طريق مزيد من نفس العمليات وربما من علماء آخرين، هكذا تماما يحصل في التجربة الدينية. ففي التجربة الدينية توجد لدى الإنسان – كل إنسان – مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالحياة والأخلاق والنفس والطبيعة وغيرها، تلك التي نسميها عادة بالأسئلة الوجودية الكبرى. يدخل الإنسان بهذه الأسئلة إلى صميم الواقع المتمثل في الحياة اليومية الفردية والأسرية والمهنية وكذلك القراءة والكتابة والنقاشات والجدالات، ويخرج بمجموعة من الأجوبة. هذه الأجوبة تكون أيضا مفتوحة قابلة للتغير والتطور، لماذا؟ لأن الإنسان طالما هو يزال يحتك بالواقع المتغير بأحداثه الجديدة والمتغيرة فإن أجوبته ستتحدث وستتغير.

يقول المؤلف في ص 125: "إن التجربة الدينية التي نقصدها ليست هي التدين الذي يخوض فيه البعض فيتدثر بدثار المظاهر المميزة لثقافة دينية معينة، ولا الممارسات التي يحرص الشخص إلى إتيانها على سبيل العادة التي إكتسبها من وسطه الإجتماعي، وإنما ذلك الإنشغال بالأسئلة الوجودية الكبرى التي ستكون أجوبتها موقفا تجاه الحياة والله والإنسان والتاريخ والطبيعة. إن هكذا تجربة ستكون بالضروة متغيرة ومتحركة حسب ما يتوصل إليه الإنسان من مشاهدات ووقائع وما يلاحظه من نماذج وأنماط في حركة الوجود، والهدف في هذه التجربة الدينية ليس الوصول إلى مطلقات وثوابت إذ ان ما يبحث عنه الإنسان هو الجمال والكمال الإلهي، والعائد من كل ذلك هو اللذة الروحية في لحظات معانقة هذا الجمال".
الجملة الأخيرة في هذا الإقتباس تشير إلى ميزة مهمة في تعريف مفهوم "التجربة الدينية" تفصله عن "التجربة العلمية" او غيرها من التجارب البشرية، وهي أن أساسها روحي أو معنوي، وفي الحقيقة هناك دمج عجيب بين العقلانية والمعنوية في كتابات مدرسة العرفان الجديد، وكذلك هذا الكتاب، ولعله أحد أهداف هذه المدرسة، ولذلك تجد أن أحد كبار رموزها وهو "مصطفى ملكيان" لديه كتاب مستقل بهذا العنوان "العقلانية والمعنوية، مقاربات في فلسفة الدين" وهو مشروعه الخاص الذي اشتغل عليه لسنوات.

الميزة الأخرى المهمة جدا لـ"التجربة الدينية" هي فردنتها، بمعنى أنها فردية خاصة وشخصية، وبسهولة تختلف من شخص إلى آخر، على عكس "التجربة العلمية" التي يمكن أن تُجرى مع مجموعة أو يشترك مجموعة من العلماء فيها، وهي بهذا أقرب للفلسفة - بمعنى الإستطلاع أو الإستكشاف أو السياحة الفكرية - من العلم. يقول المؤلف في ص 129: "فردنة التجربة الدينية هو ما يجب أن يتعزز لدى الإنسان وهو يشق طريقه بحثا عن لذة الإتصال بالله، أي بأن يعيش الإنسان ذاته وهو يتفاعل مع الواقع، فلا يلغي ذاته ويذوب في إرادة الجماعة.. وهنا على الفرد أن يتحقق من أن أحدا مهما بلغت نجاحاته لا يستطيع أن يصادر حقه في أن تكون له تجربته الدينية الخاصة".
ماهو الجديد في مفهوم "التجربة الدينية"؟

لعل سائل يسأل بأنه ماهو الجديد في كل هذه العملية والتفلسف؟ فمن المعروف أن الدين الإسلامي مثلا باب الإجتهاد في أحكامه وفروعه مفتوح حسب مقتضيات الزمان والمكان، وهذه ميزة غير موجودة في بقية الأديان. هذه السؤال – في الحقيقة – مهم جدا، ويجب التركيز عليه والتنبه له، ذلك لأن أغلب كتابات الفكر الإسلامي، سواء القديم والحديث منها، ترتكز على مفهوم "الثابت والمتغير" فلا تقدم غير القديم ولكن بحلة جديدة وبتبرير جديد.
إن النظام المفتوح والمتحرك للتجربة الدينية التي يعنيها المؤلف لا يقتصر على الجوانب العملية أو الفقهية فحسب، بل يمتد إلى صلب النظام العقدي أيضا. فالفكرة الأساسية في هذه العملية – التجربة الدينية – هي أن الإنسان يحتك بواقعه المعاصر بجميع مستوياته وجوانبه المعرفية، ويربط بينها، ويؤثر ويتأثر بها، ومن بداهة القول أن النظام العقدي لأي دين لا يكون منفصلا عن مجموعة من المعارف والعلوم كعلم الطبيعة والنفس والإجتماع، والتي هي علوم ومعارف متغيرة ومتحركة، وبالتالي فإن تأثيرها على النظام العقدي وارد جدا. يقول سروش في كتابه "القبض والبسط في الشريعة" ص 83 مؤكدا هذه النقطة: "إن عناصر المعرفة البشرية المختلفة في تفاعل مستمر، وبينها إرتباط وثيق. فإذا ما ظهرت في العلم نقطة مهمة، فإنها تؤثر في علم المعرفة وفي الفلسفة، كما ان تطور الفهم الفلسفي، يبدل فهم الإنسان والكون، ويهبهما وجها آخر، ومن ثَم تأخذ المعرفة الدينية معنى جديدا".
طيب، هل هذا يعني عدم وجود أية ثوابت في هذه العملية؟! يعالج المؤلف جواب هذا السؤال بطريقتين:  الأولى أن الفرد كلما تقدم في تجربته الواقعية وتمرس عليها ستتناقص الثوابت لديه طبيعيا، وذلك بفضل مقاربته للواقع الذي لا يوجد فيه ثابت سوى أنه متغير. أما الثاني فهو عن طريق تدريب وتعليم وتهيئة الأفراد الذي يقعون في قاعدة الهرم الإجتماعي لتمكنوا من الترقي إلى مستويات أعلى التي هي مستويات أكثر وعيا ومسؤولية.

مجموعة من المواضيع من زاوية مفهوم "التجربة الدينية"
النبوة: هي تجربة دينية ولكنها على درجة عالية من اليقين والوضوح والقوة كما يعبر عن ذلك سروش في كتابه"بسط التجربة النبوية" ص 11. ويقول أيضا: "إن الفرق بين الأنبياء وغيرهم من أصحاب التجارب الدينية هو ان الأنبياء لا يبقون أسرى تجربتهم الشخصية ولا يشغلهم التنعم بها عن اداء دورهم الإنساني، بل إنهم بسبب حلول هذه التجربة في عمق ذوتهم يشعرون بوظيفة جديدة ويتبدل النبي عندها إلى إنسان جديد يسعى لبناء عالم جديد.. وينقل إقبال اللاهوري في كتاب "إحياء الفكر الديني في الإسلام" عن عبدالقدوس الجانجهي (من المتصوفة الهنود) في بيانه للفارق بين تجربة المتصوفة وبين تجربة النبوة: "إن النبي صعد إلى المعراج ورجع، ولو كنتُ مكانه لما رجعت". أما المؤلف فيوضح الفرق بقوله في ص 130: "قد تتخذ التجربة الدينية اتجاها يهبط من أعلى إلى أسفل، فتبدأ من المعرفة ثم الأخلاق ثم التشريع، وقد تتخذ إتجاها يصعد من أسفل إلى أعلى حيث تبدأ من التشريع ثم الأخلاق ثم المعرفة. تجربة الأنبياء والعارفين هي من النوع الأول، وغالبية أتباع الأديان هم من النوع الثاني".

العبارة الأخيرة للمؤلف توضح محورية تجربة النبي بالنسبة لتجربة أتباعه، فهو بتعليمه لهم ينقل لهم في الحقيقة خلاصة تجربته ليسيروا عليها ويحققوا الغاية التي حققها، وبهذا يتضح تعريف جديد للمسلم وهو أنه ذلك الشخص الذي يتبع تجربة النبي محمد في الوصول إلى الكمال والحقيقة.
الإلحاد: هو تجربة دينية أيضا، ولكن كما يقول المؤلف في ص 128 "هو اليأس من الإصلاح واليأس من نهاية الشر واليأس من عموم الحب والسلام والخير بين الناس، وهو ذلك الشعور بأن العبثية التي تمزق سعادة الإنسان.. هي السمة البارزة في الوجود". من أين جاء هذا اليأس؟ هذا اليأس – إذا ما رجعنا إلى تعريف التجربة الدينية – جاء كنتيجة للإحتكاك بالواقع. هذا التعريف الجديد و"الخفيف" لظاهرة الإلحاد تجعل من المؤلف يقول في ص 129: "الإلحاد ليس شيطانا، ولكنه إيمان ينتحر على مضض، وما يجعله شيطانا سوادة القلب، حيث يقع في البؤس الذي يفر منه". هذا الكلام يعني أن المشكلة ليست في الإلحاد بل في "سوادة القلب" التي قد تنتج عنه، وهذا عين ما يقوله مصطفى مكليان في إحدى الأسئلة التي وجهت إليه في كتاب "العقلانية والمعنوية" ص 308، يقول: "إن دنيا اليوم تقتضي أن لا نتخندق في مواجهة المحدين (أي الأفراد المنكرين للإله المتشخص)، بل يتعين على أنصار المعنوية الإصطفاف في مقابل العدميين، المنكرين لأي معنى للحياة. وعليه، يمكن أن يلتقي تحت مظلة المعنوية أناس مؤمنون بالله وآخرون لا يؤمنون به".

تغيير المذهب أو الدين: هو تطور التجربة الدينية الخاصة بالفرد، ونتيجة طبيعية لحركة الواقع المتغير الذي يحتك به نظريا وعمليا. بهذا التعريف فإن مسألة تغيير الدين او المذهب لا تشكل قلقا ولا تتطلب أية مؤامرة أو تبشير أو تهليل أو حزن أو فرح.
نقد مفهوم التجربة الدينية

أولا: مفهوم التجربة الدينية وكل ما يتعلق بها هو في أغلبه تحصيل حاصل لكل من يملك موهبة الذكاء والتأمل في هذا العصر، بمعنى أنه بنفسه ومن دون الحاجة لقراءة أي من هذه التنظيرات يستطيع مع إحتكاكه بالواقع أن يصل إلى أغلبها على مستوى الشعور على الأقل، وحينئذ تكون مثل هذه التنظيرات أو الكتابات مجرد رافد لفظي لتلك المشاعر والأفكار التي لديه. المطلوب إذن إذا ما كان الهدف هو تحقيق الوعي تجاه الدين هو الدخول في عمق التراث الديني الخاص، والنصوص المقدسة، وتحليلها، وتشريحها، وتفكيكها.
ثانيا: أقتبس هنا من المفكر اللبناني علي حرب في كتابه "هكذا أقرأ ما بعد التفكيك" ص 95 ولكن مع بعض التصرف حتى يناسب المقام. لا مراء أن هذه المحاولة جادة وجريئة ولكنها محدودة ومحدوديتها تنشأ عن كون صاحبها يقف في الأصل موقفا كلاميا، بالرغم من إنفتاحه على المعارف الفلسفية والعلمية. والمتكلم يفكر ضمن السياج العقائدي لعلم الكلام قليلا أو كثيرا .

ثالثا: مرة أخرى من كتاب "هكذا أقرأ ما بعد التفكيك" ص 107 عن علي حرب. يقول: "لم تعد المسألة الآن مسألة تمييز بين ثابت ومتغير أو بين أصالة وحداثة أو بين إسلام وغرب أو بين هذه الحضارة وتلك. هذه ثنائيات باتت خادعة لأن الخراب يهدد الجميع. فالسجالات بين العقل والوحي، أو بين العلم والدين، أو بين الأصولي والعلماني، أو بين الحداثي والتراثي، كما تنشغل بها العقول في العالم العربي بشكل خاص، تكاد تستنفذ غرضها وتفقد مصداقيتها على أرض الواقع الحي والمعاش، في ضوء الإخفاق الذي تسجله المشاريع الأيديولوجية المختلفة في تنظيم البشر وهندسة الإجتماع وإداره العالَم".

التشدد الديني

تفرض وقائع التشدد الديني والعنف المصاحب له مسؤولية جسيمة على كل من يشعر بها للمساهمة في التخفيف من حدتها وإنتشارها، فبالرغم من كل ظروف الإنفتاح على الآخر التي لم يشهد مثلها تاريخ البشر نجد أن البعض ما زال لا يرى أبعد من مد بصره.

يحاول الكثيرون ربط التشدد الديني بالفشل السياسي في المنطقة العربية والإسلامية، وتحديدا فشل الحكومات في إستيعاب طاقات الشعوب عبر فتح باب المشاركة النزيهة في نظام الحكم أو اتخاذ القرارات. من وجهة نظري هذا نوع من المبالغة، فصحيح أن الحكومات في المنطقة فشلت أو ربما لا تريد من الأساس أن يشاركها أحد، ولكن هذا ليس كاف بحد ذاته لتفسير ما نشاهده على أرض الواقع. إن أقصى ما يمكن حصوله – من وجهة نظري – كرد فعل على فشل الحكومات هو الثورة عليها هي تحديدا أو النضال ضدها سواء بشكل سلمي أو غير سلمي، ولكن ما نشاهده هو تشدد وعنف لا يعرف حدود الأوطان ولا إنسانية الإنسان. هو توجهٌ عابر للقارات والمحيطات وحدود الدول. إذن المشكلة أعمق من مجرد كونها نابعة من فشل سياسي.

يا ترى لماذا معظم الإرهابيين اليوم يدّعون الإنتماء للإسلام؟ ولماذا معظمهم يحملون جنسيات دول متشددة في التعليم الديني؟ وما دخل قتل المسلمين والناطقين بالشهادتين إذا كان كل هذا العنف نتاج الإحساس بالظلم والقهر من الأجنبي الظالم والمستبد؟
عندما نربي أجيالنا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر على يقينيات مطلقة لا تقبل السؤال، وعندما نربيهم على أن من واجبهم دعوة الناس لدين الله الواحد الأوحد وكأنهم سفراء الله للناس، أي أن نوجه إهتماماتهم إلى الآخرين أكثر من أنفسهم، فإننا نزرع فيهم بذور العنف والتشدد سواء درينا بذلك أو لم ندرِ.


ينقل عن ريتشارد دوكنز: “نعم هناك كاثيليكيون مسالمون ولكنهم أولئك الذين لا يأخذون دينهم على محمل الجد”. الأشخاص الذي يحملون أفكارا ويقينيات مطلقة عن معتقداتهم الدينية وضرورة نشرها وتعميمها، أي يحملونها على محمل الجد، يحملون في داخلهم إستعدادا – قد يكون لم يتجلى واقعا بعد – لإتخاذ مواقف عنيفة ضد من يرون أنه يعيقهم ولو بكلمة، وطبعا هذا الكلام ينبغي أن لا يقتصر على المعتقدات الدينية فقط بل كل ما شابهها في الإنغلاق والإطلاق.

تشتهر السلطنة بسلمية أهلها وطيبتهم وتسامح المذاهب فيها، وهو أمر قد يكون مبالغا فيه واقعا، لأن التسامح الدائم والواعي لا يمكن تحققه بين أطراف تعتبر نفسها جماعات مستقلة يحكمها ويوحدها نظام شديد المركزية. إذ أن أدنى تدخل من هذه الجماعات في إتخاذ القرارات بإمكانه أن يكشف وهم التسامح، لأن الناس إذا كانت متسامحة بوعي، أي واعية بحقيقة وضرورة الإختلافات الفكرية والثقافية، فهي ستكون متسامحة مع كل أنواع الإختلاف ولن تحصر نفسها في تسامح المذاهب الدينية، بتعبير آخر ستكون متسامحة مع أصحاب الفكر العلماني واللاديني أيضا، ولكننا نشاهد عكس ذلك تماما. أضف إلى ذلك العوائق التي ما زالت موجودة بين المذاهب الدينية نفسها وتظهر في حالات مثل الزواج من خارج المذهب.

الواقع أن ظاهرة التسامح الديني في عمان في أحسن أحوالها هي من نوع “لا أتعرض لك ولا تتعرض لي”، وهذا النوع من التسامح تسامحٌ مؤقت وزائف، والأخطر أنه ليس نتاج مراحل من الصراع الطائفي المتعادل الذي تقتنع الأطراف في نهايته أن لا جدوى من الصراع لعدم قابلية أي فريق لأن ينتصر على الآخر. إذن هو تسامح – بالإضافة إلى كونه زائف في حقيقته – قفز على طبيعته التي يحددها التاريخ. إنه تسامح ما قبل الصراع.

انتبهت السلطنة إلى أهمية نشر ثقافة التسامح وحق الإختلاف عن طريق التعليم، وجهودها عبرمناهج التدريس في مدارسها ملحوظة ومقدّرة، ولكن هل هذا يكفي؟ هل يكفي أن نعلّم الأجيال التسامح بين المذاهب الدينية فقط دون حقيقة التسامح والإختلاف الأصلية؟ دون تعليمهم أن العالَم أوسع من إختلافات المسلمين وأنه يزخر بأفكار وفلسفات ورؤى متنوعة جدا، وأنه إذا ما أردنا أن نعيش في سلام دائم وحقيقي أن نتعايش مع كل هذه الإختلافات، حتى تلك التي تختلف معنا في الأصول. يجب أن يتعدى التعليم مقولة “باب الإجتهاد في الإسلام مفتوح” لمقولة “باب الإجتهاد في عموم الفكر الإنساني مفتوح”.

شكرا للقراءة
علي داود اللواتي

الاثنين، 8 ديسمبر، 2014

ملخص “مخاطر الدولة النفطية: تأملات في مفارقة الوفرة” لـ “تيري لين كارل”


** الفقرات مأخوذة من الدراسة نفسها لتكون ملخصا لها

“ما النفط إلا براز الشيطان، إننا نغرق في فضلات الشيطان”.
خوان بابلو بيريز ألفونسو، أحد مؤسسي منظمة الأوبك.


إبّان فورة النفط في عقد السبعينات كان مصدّرو النفط يعتقدون أن الرخاء الذي جلبه النفط سيوفر لهم قاعدة مستديمة لاقتصاد ما بعد النفط، و القضاء التام على البطالة، و الأمن القومي، و الاستقرار السياسي، و باختصار فإن هذا الرخاء، كما تصوروا، سوف يتيح لهم فرصة الالتحاق ببلدان العالم الأول. و هكذا نجد أن شاه إيران وعد شعبه بإنشاء “حضارة عظمى”، في حين أن رئيس فنزيلا، كارلوس أندريس بيريز، تنبّأ بقيام “فنزويلا العظمى” في المستقبل القريب. و لكن اتضح أن هذه التنبؤات و التكهنات ليست سوى صيغة جديدة من “أسطورة ميداس” الذي خرَب الذهب حياته رغم آماله الكبيرة بالرخاء لبلاده.

هذا هو ما أسميه “مفارقة الوفرة”. ذلك أن المنطق يقول إن وقوع البلدان الثرية بالنفط في مطب أزمة اقتصادية و سياسية عاصفة هو أمر يثير الذهول و الحيرة. بل إن وقوف هذه البلدان، شديدة التباين – سواء من حيث الطبيعة أو الاحتياطي النفطي أو مستويات المعيشة أو عدد السكان – عند مفترق طرق مماثل رغم ما بينها من فوارق، أمر محير هو الآخر، و يتطلب التفسير.

و لهذه الأحجية تبعات عالمية. لقد ارتفعت الأسعار ثلاث مرات في عقد السبعينات اقترنت اثنتان منها اقترانا وثيقا باحتدام أزمة سياسية داخل بلد رئيسي من البلدان المصدرة للنفط: ليبيا سنة 1971 و إيران سنة 1979. و في العام 1990 اهتز سوق النفط و ارتفعت الأسعار ارتفاعا حادا نتيجة محاولة العراق لحل مشكلاته الداخلية بغزو جارته الكويت. فتخيلوا العواقب لو انهار استقرار السعودية أو دول الخليج الأخرى – في منطقة تسيطر على 60 في المائة من احتياطي النفط المكتشف في العالم! إن من الضروري السعي إلى فهم الأزمات في الدول المصدرة للنفط، لا لأنها تؤثر على حياة الشعب القاطن داخل حدودها فحسب، بل أيضا لأن صدى هذه الأزمات يتردد بقوة في أسواق العالم، و ينذر سلام العالم اجمع بخطر.

إن اقتصادات البلدان المعتمدة على النفط و نظمها السياسية تتشكل تشكلا جوهريا بفعل دفق الدولارات النفطية، على نحو يفردها و يميزها عن باقي الدول. فالثروة النفطية قادرة على صبّ المؤسسات في قوالب معيّنة صبا محكما فاق تخيّلات و مدارك أفضل الأخصائيين. و يصح ذلك بوجه خاص على الدول التي يقترن فيها استغلال النفط بمرحلة بناء الدولة الحديثة، و هو الحال الأكثر شيوعا. و حين يحصل هذا الاقتران، فإن الدولة النفطية تجنح في تطورها جنوحا يشوه مؤسساتها، و يضعف قدرة هذه المؤسسات. ففي البداية نرى، أن متطلبات استثمار النفط، و نضوب هذا المورد، يتحتم وجود سلطة سياسية شديدة المركزية، إن لم يكن لشيء فعلى الأقل لإعطاء الرأسمال الأجنبي شريكا موثوقا للتفاوض، و تذهب ريوع النفط إلى الدولة، سواء بموجب القانون أو بقوة العرف. أضف إلى ذلك فإن التساوم الأولي بين شركات النفط الحريصة على ضمان مصادر جديدة من النفط – لدرجة أنها تواصل عملها حتى وسط الحروب الأهلية كما حصل في أنغولا – و بين الحكام المحليين التواقين إلى ترسيخ القواعد المؤيدة لهم يخلف وراءه – مهما كانت الفوائد المتبادلة عند الطرفين – إرثا مريرا من المركزية الشديدة للسلطة السياسية.

تستخدم السلطة المركزية المزايا المالية النفطية في البحث عن بدائل إنتاجية قابلة للاستمرار تعوض عن التنمية التي يقودها النفط، و لكنها في نفس الوقت تؤدي إلى تقوية نزعات الاستهلاك بحيث تطغى على نزعات الإنتاج، بإلغاء الإيرادات الحكومية المستمدة من الضرائب المحلية مثلا، كما أن هذه المزايا تعيق آليات التصحيح الذاتي للاختلالات، و تضعف أخلاقيات العمل التقليدي، و محفزات العمل في السوق، و احتمالية قبول التقشف، مما يؤدي إلى استشراء ممارسات متهورة في الميزانية كالاقتراض الدولي المتهور.

من شان الإيرادات النفطية أن تسمح لزعماء الدول النفطية بتجنب إجراء التغييرات الضرورية لفترة أطول من قدرة بقية زعماء الدول النامية، لأن هؤلاء الأخيرين يرضخون لمتطلبات التغيير بسرعة حين تبدأ المؤشرات الاقتصادية الكبرى بالكشف عن وجود متاعب. الواقع أن حكام البلدان المصدّرة للنفط لا يملكون أي حافز مباشر يدفعهم لأن يكونوا مقتصدين، كفوئين، و محترسين في رسم السياسات، كما لا يوجد لديهم أدنى سبب يدعوهم إلى لا مركزة السلطة بإشراك مساهمين آخرين. بالعكس، فالأموال التي تتدفق على خزائن سلطة شديدة المركزية لا تقود إلا إلى المزيد من تمركز هذه السلطة، مشجعة نسيج العلائق الريعية بين السياسيين و الرأسماليين. و هكذا تتولد حلقة مفرغة من نتائج التنمية السلبية و التي ترسخ التبيعة الأحادية للدولارات النفطية و تفسر لنا أحجية “مفارقة الوفرة”.

ثمة اتفاق مذهل بين الاقتصاديين لتفادي المآل المحزن للدول المصدرة للنفط: يتوجب على خبراء النفط أن “يعقموا” عائدات النفط عن طريق إيداعها في صندوق ائتمان في الخارج حين تكون الأسعار عالية، و استخدام آليات السوق مثل تحرير (ليبرالية) التجارة، و تحرير نظام أسعار صرف العملة، و الخصخصة، و إزالة الضوابط المقيدة للأسعار و الأجور و معدلات الفائدة، و توفير بيئة مستقرة لضمان حقوق الملكية، و رفع الإنتاجية في الزراعة و الصناعة، و دعم مكافحة الفساد. أخيرا، يتوجب عليهم تقليص الإنفاق الحكومي إلى أدنى حد ممكن، و مقاومة غواية الميل إلى زيادة الاستهلاك المحلي لترضية السكان الساخطين، و تحاشي برامج الأشغال العامة ذات الشعبية الكبيرة، و الاتجاه، عوضا عن ذلك، إلى الاستثمار طويل الأمد في النظام الصحي و التعليمي، اللذين يسهمان في زيادة الإنتاجية.

لكن مهما بدت هذه الوصفات معقولة، فإن تطبيقها في الدول النفطية أمر بالغ الصعوبة، و سبب ذلك هو أن السياسات التي تقرر سبل الإفادة من ثروة النفط لا تتحدد أساسا بفعل الحسابات الاقتصادية، و عليه فإن مفتاح الإصلاح الناجح هو سياسي و ليس اقتصادي. لنأخذ وصفة “التعقيم” مثلا و التي طبقت بشكل ناجح في النرويج و ألاسكا، و لكن بعد ترتيبات دستورية تمنع الحكومات من استخدام أرصدة صناديق النفط لأية أغراض خلاف الغايات التي أوجدت لها، و قوانين تضع هذه الإيرادات خارج سيطرة صانعي السياسة، و عليه فإن نجاح سياسة كهذه يتطلب سلفا وجود نظام قضائي مستقل و فعّال، و القبول بشفافية ممارسات التصرف بالميزانية، و هذه شروط لا تتوفر بأي شكل ذي معنى في أغلب الدول المصدرة للنفط. كذلك سياسة تقليص الإنفاق و الحد من دعم أسعار السلع سيؤدي إلى تفجر السكان الذين اعتادوا على “النعمة” و باتوا يمقتون أي مظهر للتقشف. أما الجهود الناجحة لاستخدام دولارات النفط استخداما حكيما فإنها تتوقف على وجود ضغوط سياسية و اجتماعية مضادة، و هذا يتطلب بناء القدرة السياسية للجماعات ذات المصالح، و المستقلة عن، بل حتى المعارضة للتنمية التي يقودها النفط.

إن فترات تدني أسعار النفط (كما هي الآن) توفر فرصة لإنشاء المؤسسات السياسية و الإدارية القادرة على إدارة النفط. و الحق إن مثل هذه الفترات قد تؤلف الفرصة الوحيدة لانتشال دول النفط من حلقة التنمية المفرغة، إلى حلقة التنمية المزدهرة. و لما كان ذلك يتطلب أجهزة خدمة مدنية، أي إدارة قائمة على الجدارة و الأهلية لتحل محل نظام تعيين الأتباع، فإن بالإمكان بناء الدعم السياسي لإصلاح الأجهزة الإدارية في فترة انخفاض الأسعار. أما حين ترتفع الأسعار، فإن حوافز الاحتفاظ بأفضل وظائف الدولة للأصدقاء و الأقرباء تكون أقوى من أن ترد. زد على هذا أن انخفاض الأسعار يسهل السعي إلى لجم الحكام الطموحين، و بخاصة إنشاء جهاز إداري قوي و خاضع للمحاسبة يقوم بمثل هذا الدور. أخيرا تقوية المصالح الاجتماعية المرتبطة بقطاعات غير نفطية، و القادرة على تخفيف وتائر التنمية المتسرعة و المفرطة المطامح، إن لم يكن لشيء، فعلى الأقل لتفادي الأعمال التافهة ضخمة الحجم التي ميزت فترات الفورة النفطية في القرن العشرين. إن الأسعار المتدنية اليوم تؤلف فرصة مناسبة لخلق ديناميكية تنمية مغايرة تماما. و لكن لما كانت الأسعار مرشحة للارتفاع، فإن هذه الفرصة لن تعمر طويلا. المفارقة أن الأسعار المرتفعة تميل إلى غلق نافذة الإصلاح. تلك هي “مفارقة الوفرة”.

شكرا للقراءة

الثلاثاء، 7 أكتوبر، 2014

علمانية الأخلاق

هل يمكن قيام أخلاق علمانية بمعنى تلك الأخلاق المؤسَّسة على أساس دنيوي لاديني؟ هذا السؤال ربما يكون متأخراً بالنسبة لبعض الناس ممن جرّبوا أخلاقيات أشخاص لا توجد لديهم علاقة حميمة مع الدين، فوجود أخلاق من خارج إطار الدين بالنسبة لهؤلاء هو واقع مشهود. يصبح السؤال لهؤلاء إذن: كيف يمكن التنظير لمثل هذه الأخلاق اللادينية أو ما الذي يدفع شخص غير متدين للإلتزام بمجموعة قيم أو مبادئ نعتبرها راقية؟ و لعل السؤال الأهم من كل هذا بالنسبة لنا هو: حتى لو أثبتنا إمكانية وجود مصدر للأخلاق من خارج إطار الدين، هل يبقى للأخلاق حينئذ أي معنى أو قدسية تدفع حقاً لمواصلة الإلتزام بها؟ 
كان فرويد يعتقد أن المريض النفسي لو عرف أو تنبّه للأسباب اللاواعية لمرضه، فإن ذلك كفيل بشفاءه. كذلك لو عرف الإنسان المتديّن أو تنبّه إلى أن الأخلاق التي يلتزم بها لها جذور بيولوجية و ثقافية، فإن ذلك كفيل باستمرارية إلتزامه بها دون الوقوع في إضطرابات مزمنة حول معناها و مغزاها.
إن مجموعة المبادئ و القيم الأخلاقية التي نلتزم بها كالعدالة و الحب و الوفاء ليست محصورة بنا، حيث بسهولة يمكن ملاحظتها في بقية الأحياء، و قد تصل إلى درجة قريبة من التعقيد في الأحياء القريبة منا. إن في هذا التشابه إشارة واضحة إلى أن الأخلاق موجودة في صميم هيكلنا البيولوجي. الفرق لعله يكمن في أننا أحياء أكثر تعقيدا من الناحية البيولوجية و بالتالي أخلاقنا أكثر تعقيدا، بالإضافة إلى أننا نمتلك وعيا و قدرة على تطوير أخلاقياتنا من خلال ملاحظة الخير و الشر.
الإنسان حيوان إجتماعي و بفضل وعيه يستطيع أن يميُز مصلحته و مصلحة الجماعة التي ينتمي لها، و بالتالي يستطيع الإتفاق مع غيره من بني جنسه حول مجموعة من المبادئ و القيم المفيدة للجميع، و التي بدورها تنتقل من جيل إلى جيل عبر التلقين و التعليم، لتصبح راسخة في الوجدان الفردي و الجمعي، و يتم إعتبارها خطوطا حمراء لا يجوز الإعتداء عليها.
الأخلاق إذن لها جذور بيولوجية و ثقافية، موجودة في صميم هيكلنا البيولوجي، تطورت بسبب وعينا المميز، و تعقّدت بتعقّد حياتنا "الملموسة" و تغيّر ظروفها. جدير بأن أشدد على كلمة "الملموسة" هنا؛ لأننا في حياتنا العادية اليومية و المستقرة لا نسأل عما إذا كانت الأخلاق واجبة في ذاتها كما يسأل الفلاسفة و المشككين، بل نلتزم بها كأي أمر طبيعي نابع من ثقافتنا و تربيتنا و خاصة أدوارنا الإجتماعية كآباء أو أمهات أو أبناء أو أصدقاء أو عشاق أو أزواج. 
 هل هذا التفسير للأخلاق و جذوره يعني ضرورة الإنفصال عن التفسير الديني للأخلاق؟ مما لا شك فيه أن الأديان سواء تلك التي ادّعت ألوهيتها أو تلك التي لم تدّع، جاءت بمجموعة من القيم و المبادئ الأخلاقية و حثّت الإنسان المؤمن للإلتزام بها، و لكن هل كانت تلك المبادئ و القيم خارج إطارها الزمكاني؟ هل كانت خارج سياق الثقافة التي نشأت فيها؟
الأديان مصدر للأخلاق، و لكنها ليست بالضرورة مصدرا مستقلا أو أساسيا، فالأديان تختلف في مبادئها الأخلاقية حتى لو اعترفت ببعضها البعض، و هذا الإختلاف يمكن تفسيره باختلاف الثقافات و البيئات التي نشأت فيها. يوجد في بعض أصول الفقه الإسلامي مثلا أن الأحكام الشرعية تتبع المصلحة، كقاعدة "لا ضرر و لا ضرار"، التي فيها إشارة واضحة إلى أن هذه الأصول تتبع المصالح المتفق عليها في بيئة معينة، و لعله يمكننا تتبع تطور الأخلاقيات الدينية لبعض الديانات عبر العصور و اختلاف الثقافات. أبسط مثال على ذلك إختلاف أخلاقيات المسلم العادي الذي يعيش في هذا العصر، عصر الحداثة و الإنفتاح، عن المسلم العادي الذي عاش قبل ألف سنة، ليس على مستوى التطبيق فحسب بل على مستوى الفكر و النظر أيضاً. إن الأخلاقيات الدينية إذن جاءت مندرجة تحت الأساس البيولوجي و الثقافي و ليست منفصلة عنها. 
كما أشرتُ في البداية، لعله سيصعب على كثيرين التنكّر لواقع وجود أخلاقيات لادينية، و لكنهم دوما سيثيرون مسألة أن الشخص غير المرتبط بالدين أو الإله يمكنه أن يكون صادقا مخلصا محبا، و لكنه لا يمكنه أن يضحّي بحياته من أجل الآخرين أو المبادئ التي يؤمن بها. إن الواقع مرة أخرى يثبت خطأ مثل هذا التصور الغيبي للأخلاق، و لكن قبل ذلك يجب أن نفهم أن قدرة الشخص على التضحية بنفسه من أجل الآخرين ليست خارج سياق التربية و  الثقافة التي ينشأ عليها. إن الأساس لمثل هذه القدرة حتى لو تم تبريره عقلا بالحياة ما بعد الموت مثلا إلا أنه لا يخلو من عاطفة شديدة تم غرسها بالتربية و التعليم أو التلقين.
يقول محمد باقر الصدر في كتابه "فلسفتنا" ص٣٣: "و حتى الألوان الرائعة من الإيثار، التي نشاهدها في الإنسان و نسمع بها عن تاريخه.. تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوة المحركة الرئيسية: غريزة حب الذات. فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه، و قد يضحّي في سبيل بعض المُثل و القيم.. و لكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة، و منفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره.. ففي الإنسان استعدادات كثيرة للإلتذاذ بأشياء متنوعة: مادية كالإلتذاذ بالطعام و الشراب و ألوان المتعة الجنسية و ما إليها من اللذائذ المادية. أو معنوية كالإلتذاذ الخلقي و العاطفي، بقيم خلقية أو أليف روحي أو عقيدة معينة، حين يجد الإنسان أن تلك القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزء من كيانه الخاص.. فبينما نجد أن بعض تلك الإستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية.. نجد أن ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان، و تظل تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها و تفتّحها..".
مسألة التضحية و الإيثار عند الإنسان المتدين إذن ليست منفصلة عن أساس التربية و الثقافة، كما أنها ليست منفصلة عن الأساس البيولوجي الذي يدفع بعض الأحياء للدفاع عن جماعاتها، و لذلك نجد أن هذه القيم ليست خاصة بالمتدينين، فهناك لادينيين و حتى ملحدين ضحوا بأنفسهم من أجل مبادئهم أو تحملوا مشاق كثيرة خدمة للإنسانية. يحضرني حاليا مثال المجاهد الهندي "بهاجت سينغ" الذي كان من أبرز قادة المقاومة الهندية المسلحة للإستعمار البريطاني، حيث رفض سلمية غاندي و آمن بقوة النار و الحديد لتحرير بلده متأثرا باللينينية. هذا المجاهد الذي يُسمى ب"الشهيد الأعظم" كتب في السجن مقالا بعنوان "لماذا أنا ملحد". لم يمنعه إلحاده من التضحية بنفسه من أجل الوطن، كما لم يقده إيمانه بالمقاومة المسلحة للخروج عن جادة الصواب، حيث وضع خطة محكمة لإيصال مظلومية شعبه للخارج و إثبات زيف القضاء الإستعماري بتسليم نفسه طوعا بعد إلقاء قنابل لم تؤذ أحدا في إحدى قاعات المحكمة. كان هذا المجاهد منذ صغره يرى و يسمع عن المقاومة و الإستعمار و تمت تربيته على مباديء الوطن و التضحية من أجله.
شكرًا للقراءة 
علي داود اللواتي
___________________________________________________
* هذا المقال مستلهم من كتاب "الفاكهة المحرمة" لبول كيرتز

الاثنين، 1 سبتمبر، 2014

كلمة في التعايش الطائفي


يمكن أن نتعلّم من التجربة و ممارسات الحياة اليوميّة ما لا نتعلّمه من قراءة الكتب و متابعة الكُتّاب، و يحدث أحيانا أن ما نتعلّمه من التجربة قد نغفل عنه، بمعنى أننا قد لا ننتبه أننا تغيّرنا و تكوّنت لدينا أفكار جديدة هي التي تُسيّرنا. هكذا هي تجربة التعايش الطائفي أحيانا، فمع تعاملاتنا الحياتية المتكررة القائمة على أساس المصلحة المشتركة مع أفراد أو جماعات تنتمي لثقافة أو مذهب أو سلوك مختلف عنا تتكون في لاوعينا صور للتعايش و السلام تُحركنا من حيث لا نشعر، و ننتبه في ساعة الفتنة الطائفية أننا في الحقيقة لا نكُن عداوة لهؤلاء الأفراد أو الجماعات بل و نحترمهم لتعاملهم الطيّب معنا.

هذا النوع من التعايش الذي يمكن أن أسميه بالتعايش "الشعبي" يترسخ عبر التعامل و الإختلاط، و هو أمر جيد و لا بأس به، و لكن إلى أي درجة يمكن لمثل هذا التعايش أن يصمد أمام الفتن و دهاء الفاسدين و الساسة؟ كيف استطاعت الدول الإستعمارية في القرون الماضية خلق أزمات و فتن طائفية في بلدان شهدت استقرار و تعايشا سلميا بين أهلها؟

ينطلق بنا هذا السؤال إلى سؤال آخر و هو هل يمكن بناء حالة تعايش قائمة على أساس المعرفة الدينية اليقينية؟ لنستوعب أولا أننا نتحدث عن تعايش طائفي ديني، و لنستوعب ثانيا أننا نتحدث عن طوائف مقتنعة و متمسكة عن قلب بمعتقداتها و ممارساتها. إذا استوعبنا هاتين النقطتين يسهل علينا الإجابة على السؤال: لا يمكن! لا يمكن للمعرفة اليقينية في ظل تمسّك كل طائفة بمعتقداتها بالمحافظة و الدفاع و الممارسة أن تخلق حالة تعايش سلمي، وإن حصلت فإنها ستكون قائمة على أساس المصلحة المشتركة أو توازن القوى فقط.

ما يميّز الشعور أو المعرفة الدينية أنها "مقدسة" أو "مطلقة" و أخص هنا ما يسمى بالمعرفة الأصولية، و لا يمكن لمثل هذا التقديس بكل ما يحتويه من عناصر الرغبة و الرهبة أن يخلق تعايشا سلميا. أضف إلى ذلك أن مثل هذه المعرفة المقدسة تُولد في نفوس أصحابها رغبة الدعوة و الإرشاد و "عدم ترك الآخر في حاله"، ليبدأ مسلسل الوصاية و النفاق و الإنفصام.

إذا ما هو الذي يخلق أو يمكن أن يخلق تعايشا سلميا حقيقيا صامدا لا تهزه رياح الفتن و المؤامرات؟ يُنقل عن الفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل: "لن أموت أبدا من أجل معتقداتي لأنني قد أكون مخطئا". نعم، إنه الشك. البعض لا تعجبه كلمة "الشك" لأنه يعتبرها مرحلة وسطية تنتهي بالإستقرار و الطمأنينة و إذا استمرت "أكثر مما ينبغي" فإنها هدّامة. على كل، فإن نظرة كاتب هذا المقال مختلفة عن هؤلاء، و لكن يمكنه بدل كلمة الشك أن يقول "وعي المرء لإمكانية أن يكون على خطأ".

إنه هذا الوعي الذي من قدرته إنزال الإنسان إلى مرتبته الحقيقية، بعيدا عن غرور المعارف اليقينية المطلقة التي تصح في الأرض و السماء. يحتاج هذا الوعي ليتكون إلى مراحل طبيعية غير قسرية من الإطلاع و الجدال و النقاش و الإختلاط و التأمل، و لكنه حتما لن يتكون إذا لم يكن المرء صادقا مع نفسه.

لا يوجد شيء إيجابي بالتمام و الكمال، و لهذا الوعي سلبياته أيضا، إذ في حالاته الشديدة قد يقود المرء إلى نوع من الأنانية و الإستئثار بالنفس على حساب الآخرين، و لكنه - هذا الوعي -  حتما سيقود المرء الصادق مع نفسه إلى الفردانية الحميدة، مدركا أنّ مصلحته و منفعته المادية و المعنوية لا يمكن أن تستمر بالأنانية.

يقول الدكتور علي الوردي في إحدى كتبه مشيرا إلى مسألة مشابهة: "ميزة البحث الموضوعي كما أشرنا أنه مشكّك يتطلّع كل يوم الى رأي جديد لم يألفه من قبل. أما العقيدة فشأنها الوثوق و الإيمان الراسخ. و للإنسان أن يؤمن بأية عقيدة يشاء إذ هو حر في ذلك، إنما هو لا يمكن أن يسمي نفسه باحثا علميا. إنه مُخيّر بين أن يترك سبيل البحث العلمي نهائيا أو أن يأخذ منه الجانب الذي لا تتدخل عقيدته فيه. أما إذا أراد أن يجمع بينهما في مجال واحد، فإنّ ذلك دليل على أنه لا يفهم و لا يريد أن يفهم".

 

شكرا للقراءة

علي داود اللواتي

معنى الحياة


تعارف القدماء على أهمية العناصر المعرفية الثلاث: المبدأ و المصير و الطريق بينهما؛ لتحقيق السعادة المطلقة الفردية و الجماعية. فالإنسان العاقل - في نظرهم - يجب أن لا تفوته هذه العناصر المعرفية الثلاث، و يجب عليه بالتالي أن يبذل جهده في تحقيقها و التعرّف عليها حتى يصل إلى مرتبة اليقين بها، و لعلّه يمكن تلخيص هذه العناصر المعرفية الثلاث في عنصر واحد هو معرفة الله. و لعله يمكن أيضاً القول أنه رغم اختلاف مناهج العلماء في تاريخ الإسلام من الفلسفة و الكلام و العرفان إلا أن كلها لا تخرج من مظلة ضرورة معرفة الله لتحقيق السعادة المطلقة. معرفة الله بالتالي تصبح عند القدماء و حتى فئة من المعاصرين غاية الخلق و الوجود برمّته (أي معنى الحياة الإنسانية).
 
إن العبادة في الآية "و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" كما يشرح أحد علماء الدين الشيعة هي غاية وسطيّة و ليست نهائية، فهناك آية أخرى تقول: "و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين" أي أن اليقين بالله هو غاية العبادة، و آية ثالثة تقول: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم" أي أن من يمتلك علم اليقين المُشار إليه في الآية السابقة يستطيع أن يرى حقائق عالم الغيب حاضرة أمامه. هذا التفسير جذابٌ جدا، و بغض النظر عن تفاصيله إلا إنه يقدم وجهة نظر داعمة لما سبق من أنّ معرفة الله و الوصول إليه هو غاية الغايات، و يجب أن يكون هدف الإنسان الأسمى و الأعلى في الحياة.

 كل هذا رُبّما يكون مُتعارفٌ عليه وسط المسلمين، و لكن ما أودّ أن أُلفت الإنتباه إليه على وجه الخصوص هو أن الطريق الذي يُحدده القدماء و بعض المعاصرين بمختلف توجهاتهم للوصول إلى معرفة الله هو طريق ليس بالسهل على الإنسان المزدحم بهموم الحياة اليومية من وظيفة أقرب لأن تكون عبودية العصر و مسؤوليات العائلة المعاصرة و كل ما تتطلبه من وسائل استقرار. فمن أين لنا من الوقت و المزاج لقراءة كتب علم الكلام و الفلسفة و العرفان العتيقة منها و الجديدة للتحقيق و الطمأنينة العقلية و القلبية في معرفة الدين الصحيح و الإله الصحيح؟ كما أن العصر الذي نعيش فيه يفرض علينا مسؤوليات جديدة اذا ما سلكنا هذا الطريق. إذ يجب علينا اليوم أن نفهم ما هو رأي العلم في هذا المجال، و ماذا تقول العلوم الطبيعية المختلفة فيه و ماذا تقول فروع العلم و المعرفة الأخرى ذات الصلة. نعم، الناس تختلف في مداركها و طاقاتها الإستيعابية و للقارئ الكريم حرية الجواب عن موقعه المعرفي من القضية و عمّا إذا كان يرى مثل هذا التوجه واقعي و عملي!

 إن طريقة التفكير هذه عن معنى الحياة هي - كما يوضح المفكر الإيراني مصطفى ملكيان في كتابه "الشوق و الهجران" - طريقة تبحث عن هدف الحياة، الهدف الذي يجب أن يأتي من خارج الحياة، أي من الذي خلقها أو صنعها، و لكن هناك طريقة ثانية فيما يخص معنى الحياة، تأتي من الداخل، و هي أني "أنا الذي أعطي معنى لحياتي"!، و بتعبير آخر "أنا أعرف أني موجود، و لا يُهمّني من أوجدني، و ماذا كان هدفه من إيجادي، كل ما أريد أن أعرفه هو أنه ماذا عليّ أن أفعل في هذه المدة التي أنا موجود فيها؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي سيعطي المعنى لحياتي، طموحي و ما أقصده هو معنى حياتي". إن معنى الحياة بهذه الطريقة الثانية يصبح ذاتيا، و سيختلف من شخص إلى آخر، و لا يعتمد على المباني و الأصول الغيبية أو الفلسفية، و تكتسب الأخلاق و الفضائل به بعدا آخراً ينطلق من الذات و الرغبة الشخصية.

 و عن إمكانية وجود معنى للحياة بمعزل عن الغيبيات يشرح عالم النفس المعروف إيريك فروم في كتابه "فن الوجود" أن التجربة البشرية العملية أوصلتنا إلى مجموعة من القيم و المبادئ الحميدة كالحب و التعاطف التي بإمكانها أن تشكل معنى لحياة الإنسان و تساعده في الوصول إلى الوجود الأمثل حتى لو كنا غير قادرين على شرح أدلتها نظريا، فالبُستاني مثلا يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل ليحصل على الأزهار من دون أن يكون متخصصا في علم النبات!

يعيش الكثيرون اليوم و خاصة في البلدان العلمانية الخالية من الصراعات الدينية و المذهبية وفق هذه الطريقة لمعنى الحياة، تجد أحدهم يعترف بأنه لا يعرف عمّا إذا كان الله موجودا أم لا، و لا يعرف عمّا اذا كان المسيح مثلا ابن الله أم لا. لسان حاله يقول: أنا موجود و هذا كل ما أعرفه (يقول هذا بكل برودة أعصاب رغم أننا يمكن أن تقشعر جلودنا قلقا من هكذا اعتراف).

 على ما يبدو أن هناك مجموعة من العوامل التاريخية أدت إلى شيوع مثل هذه الطريقة في تلك البلدان، منها عامل العلمانية نفسه، و خروج الناس من سيطرة و تحكم رجال الدين في الحياة اليومية، و بالتالي شيوع التفكير الدنيوي في المجتمعات، و ظهور فلسفات تشكيكية و علوم زحزحت أو كادت يقين المؤمنين بالغيبيات. إذن قد يُجادل أحدهم أن هذه الطريقة غريبة عنا لأننا لم نعش و لا نعيش هذه العوامل. من وجهة نظري هذا الكلام غير واقعي إطلاقا، فإذا ما تأمّلنا حولنا فإن الكثيرين منا يعيش وفق هذه الطريقة أيضاً! فكم منا مشغول بطموحاته الدنيوية المختلفة عن الإشتغال بعلوم الدين و الإلهيات (و عندما أقول "دنيوي" فإني لا أقصد بذلك أنه سلبي)؟! من الطريف حقاً أننا نعيش وفق الطريقة الثانية غالبا و لكننا لا نعترف بل ندافع مع تعصب عن الطريقة الأولى!، و هذا مجرد واحد من مجموعة التناقضات التي نعيشها بسبب استيراد نتائج الحداثة دون الحداثة نفسها!

 لا يخفى أن هذه الطريقة الثانية في النظر لمعنى الحياة من الممكن أن تشكل حساسيّة كبيرة في بعض المجتمعات، لأنها و بكل وضوح تقع في مقابل الأيديولوجيات و السلوكيات المطلقة التي يجب على كل فرد السير وفقها، و تقع في مقابل التعاريف الوطنية و الأسرية و العُرفيّة المقيّدة لذات الإنسان. إنها أقرب لعقيدة سارتر من أن "الإنسان مشروع"، على أن هذه الطريقة ليس من المفروض أن تؤدي إلى إلغاء الطريقة الأولى التي يمكن أن تصبح جزءا منها.

 ليس الغرض من هذا المقال تفضيل طريقة على أخرى، فكما أن الطريقة الأولى صعبة على الكثيرين، الطريقة الثانية أيضاً ليست بالسهلة، إذ لا يتمكن الكثيرون من الحياة دون أساس غيبي. هذا من حيث الصعوبة و السهولة دون الحق و الباطل في القضية.
 
أختم هذا المقال بكلمات بوذا من كتاب "دين الإنسان" التي هي من أحسن الكلمات المُعبّرة عن معنى الحياة دون الحاجة الى الغيبيات: "ضعوا نصب أعينكم ما أكدته لكم و ميزوه عما لم أؤكد لكم، فأنا لم أؤكد لكم بأن العالم أزلي، و لم أؤكد لكم بأن العالم حادث، و أنا لم أؤكد لكم بأن العالم زائل، و لم أؤكد لكم بأن العالم أبدي، أنا لم أؤكد لكم بأن الروح و الجسد واحد، أنا لم أؤكد لكم بأن المستنير يتابع وجوده بعد الموت، كما أني لم أؤكد لكم بأن المستنير يصير إلى حالة لا هي بالوجود و لا هي بالعدم بعد الموت، أما لماذا لم أؤكد لكم هذه الأمور؟ فلأنه لا فائدة منها و لا علاقة لها بأساسيات تعاليمي، و بالمقابل فلقد أكدت لكم بأن وجود الإنسان شقاء، و أشرت إلى سبب هذا الشقاء، و علمتكم الطريق لرفع الشقاء عنكم، أما لماذا أكدت لكم هذه الأمور؟، فلأنها ذات فائدة ترجى، و لأنها متصلة بتعاليمي، تزيل الرغبة من نفوسكم، و تهبكم المعرفة، و الحكمة العليا".

 
و دمتم سالمين،،

شكرًا للقراءة
علي داود اللواتي

الخميس، 1 مايو، 2014

أترضاه لأختك؟


أترضاه لأختك؟
علي داود اللواتي

 
لكم يؤسفني حقيقةً عندما أسمع من بعض أقرأني حديثا عن المرأة فيه نزعةٌ لاواعية لتملّكها و الإعتراف بدونيّتها، و أنا هنا لا أتحدّث عن شباب عاش بين جدران أربعة منغلقة، بل عن أولئك الذين سافروا للدراسة في الخارج، و شاهدوا الفارق الحضاري و الثقافي بين مجتمعنا و المجتمعات الصناعية المتقدمة، و لا أتحدث عن شباب متديّن، أو يتحدثون من منطلق تديّن عميق، فإيمانهم على أيّة حال لا يهزّ له لا جبل و لا حتى حصاة صغيرة! إنها مسألة مجتمع ذكوري إذن لا أكثر، و في أحسن أحواله مُركّب من تديّن سطحي هامشي يَعتبر المرأة ناقصة عقل و عُرف مجتمع ذكوري.

نزعة التملّك المتجذرة هذه لاواعية في الغالب، لا ينتبه لها الرجل، و يُغطيها من دون قصد و إرادة بمجموعة من التبريرات المنطقية و الدينية، و التي قد تكون مقرونة باستشهادات من علماء غربيين، و أغلب هذه التبريرات مرتبطة بعاطقة المرأة العميقة، بمعنى أنّها مخلوقٌ عاطفي رقيق حساس، غير خاضع للمنطق و الإستدلال، و يُمكن زحزحته عن طريق العقل بسهولة.

من أمثلة نزعة التملّك الذكورية اللاواعية هذه (و الواعية أحيانا) التحكّم الكامل أو شبه الكامل بحياة المرأة، من ولادتها حتى وفاتها، و التدخّل بالوصاية على شؤون حياتها، كتحديد تخصّصها الدراسي، و تحديد شريك حياتها. هذه الأمثلة ربّما تكون قديمة بعض الشيء، و قد يُجادل أحدهم أنها في طريقها إلى الزوال في المجتمعات المتعلّمة و الفاهمة للشريعة فهماً صحيحاً، و لكنّني لا أريد التركيز على هذه الأمثلة على وجه التحديد، بل أمثلة اخرى كثيرة لا تزال موجودة حتى بين المتعلّمين و المثقّفين تُشم منها رائحة التملّك للمرأة، كربط شرف العائلة ببناتها، و عدم وجود فترة خطوبة كافية قبل عقد الزواج خوفا على الشرف، و النظرة المُريبة لأيّ إمرأة تظهر في وسائل الإعلام، أو تَنشرُ صورها في وسائل التواصل الإجتماعي، أو لا تلبس العباءة، أو تسافر و تتنقّل لوحدها.

لعلّه من الأمثلة الرائجة و الملحوظة بشدّة حتى عند المتعلمين المعاصرين: عدم استخدام لفظ "زوجتي" أو "أختي" مثلا أمام الأصدقاء، و استخدام لفظ "أهلي" عوضاً عن ذلك، و بعضهم يتطرّف أكثر ويقول "بيتي"! كما في النكتة التي انتشرت عبر الواتساب (و التي تُعبر عن وعي مدى هزليّة و سخافة هذا الأمر). الكارثة أن هذا المثال يتكرّر حتى عند الأطفال الذكور، فيستَحون من ذكر أسماء أخواتهم مثلا في صحبة أصدقائهم!. في هذا الصّدد أذكر شخصاً كان يُحضّر رسالة دكتوراة في أوروبا و حكى لي قصّته بنفسه، أنه كان بصحبة زوجته في إحدى القطارات، و بسبب الزحام اضطرّ للوقوف بعيداً عنها بعض الشيء، ليُلاحظ فجأة أنّ زوجته همّت بالنزول على المحطة الخطأ، يقول ما معناه "صرختُ باسمها، لم يكن حل إلا أن أناديها باسمها!"، أليست هذه الحادثة الواقعية لها مثيلاتها عند الرجال المتعلّمين المعاصرين و تُعبّر عن نزعة تملّكٍ لاواعية للمرأة؟

أبْرزت وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة مثل الفيسبوك وإنستغرام مدى عمق هذه النزعة عندنا: نجدُ أحدهم ينشر أنّه في رحلة عائلية، و لا نشاهد في الصور المرفقة لمنشوره أية صور لأفراد عائلته إلا الأطفال ربّما، و في ما عدا ذلك ستجد كل شجرة و سحابة مرّت عليه، و لكن عندما ينشر أنه خرج مع أصدقائه، تجده ينشر كل الأشياء، من أسخفها إلى أشدّها سُخفاً، فرفْع صور العائلة مهما كانت محتشمة عيبٌ و فيها دلالة على ضعف الرجولة ربّما، أو على أحسن تقدير سيؤدي إلى "مشاكل و قضايا" لا داعي لها، و هذه الأخيرة طبعا من التبريرات العقلانية التي تأتي فورا في ذهن الرجل في هذه الحالة!

لا أعتقد أننا نحتاج إلى تبريرٍ دينيّ أو غير ديني لنفْهم أن المرأة كائنٌ حيٌّ يتنفس، له مشاعره و أفكاره، و من حقه أن يعيش حياة حرة و مستقلة، و يتصرّف كيفما يشاء، وفق الحدود القانونية التي تحترم حقوق الفرد، و لا يحقّ لأحد الوصاية على أفكارها و رغباتها، و لا يحق للرجال ربط شرفهم و سُمعتهم بها، أو إرغامها على سلوكٍ معين لأنها بنتُ رجل أو أختُ رجل.

من الواضح أنني هنا أتحدث على أساس (أصالة الفرد)، أصالة الفرد التي تُبنى عليها  قوانين حقوق الإنسان العالمية، مثل حرية العقيدة و حرية الرأي و حرية التعبير، أصالة الفرد التي تعني في أبسط التعاريف أنّ كل فرد له استقلاليته و رأيه و حرية التصرف فيما يملك من دون إكراه من أي طرف و من دون إلحاق أذى بالأخرين. و ليس بخافيةٍ نزعةُ (أصالة المجتمع أو الجماعة) المقابلة لـ (أصالة الفرد) في مجتمعاتنا، و التي تُستخدم لتبرير كل تَدخّل في شؤون الغير، و فرض الوصاية عليه، و تحديد سلوكياته و أفكاره وفق هوى الجماعة، و التي يستخدمها الرجل دائما عندما يريد ان يُقنّع نزعة التملك لدية تجاه المرأة!

عاطفة المرأة العميقة ليست نقصاً فيها، كما أن واقعيّة الرجل ليست ميزةً فيه، فكما أن المرأة يُمكن ان تتغلّب عليها عاطفتها (من دون تعميم) كذلك يمكن للرجل أن تتغلّب عليه مغالطاته و نزواته، و كما أنّ المرأة تخطيء فالرجل يخطيء أيضا، و ليس بخافٍ أنّ معظم الكوارث العالمية صنعها الرجال، لا فرق بين خطأ الرجل و خطأ المرأة، و المرأة لو تربّت على إدراك نفسها و لو تربّت على وعي الصحيح و الخطأ و الإعتماد على نفسها، فإنها لن تقلّ في ذلك عن الرجل، و في مثل هذا العصر لن تنقصنا الأمثلة على ذلك.

الكارثة عندما تُصغّر المرأة من نفسها بنفسها، و تَعتبر نفسها مخلوقاً ثانوياً، سقط سهواً، أو خُلق من أجل الرجل الذي هو المخلوق الأساس، الكارثة عندما تعتقد المرأة بنفسها أنّها ناقصة عقل و عاطفيّة "أكثر من اللازم"، لتُصبح بذلك عدوّة نفسها بنفسها. لقد تمكّن مجتمع الذكور منها، و غرس فيها كل ما يريد و يشتهي لتلبية إحتياجاته، و ضمان سيطرته. من هنا تنبعث أهمّية وعي الذات الذي هو المُخلّص من كثير من السلوكيات و الأفكار غير الطبيعية: وعي الذات بقدراتها و إمكاناتها و مخاوفها، بمناطقها الساطعة و الداكنة. وجديرٌ بالذكر هنا أنّ الحرية و الإستقلالية لا معنى و لا مصداقيّة و لا حقيقة لها من دون وعي الذات و من دون وعي الأثار الواقعية المترتبة عليها و وعي المسؤولية تجاه تلك الأثار.

لعله جدير أن يَسألَ الرجلُ نفسه عمّا إذا كان يمتلك مثل هذه النزعة اللاواعية، و تجربة ذلك بسيطة جدا، فلْيُجرّب الأحاسيس أو الأفكار التي تُراوده حين يحاول أن يرفع صورة عائلية على الإنستغرام مثلا، أو عندما يترك زوجته تسوق السيارة و هو يجلس بجانبها عندما يخرجون للعشاء في ليلة رومانسية مثلا، أو عندما يوافق على أن تمتد فترة الخطوبة لإحدى بنات عائلته لسنة مثلا من دون عقد شرعي مع بقاء نوع من التواصل بينها و بين خطيبها!، أظن أن هذه الأمثلة بإمكانها هدم جدار العقلانية الذي يصنعه الرجل حول دماغه ليغطي بها دوافعه الحقيقية.
 
شكرا للقراءة