أفكار
مدونة شخصيّة، وآراء شخصيّة
الأحد، 6 مايو، 2012
السبت، 13 أغسطس، 2011
قراءة في كتاب: "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام"..
قراءة في كتاب: "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام"
علي داود اللواتي
للتحميل
كتاب جميل وشيّق جدّا لـ "جورج طرابيشي". وأحبّ أن أضع بعض النقاط هنا والتي كتبتها بعد قراءته منذ فترة شبه طويلة:
أولا: "نبي بلا معجزة" الذي هو الفصل الأول من هذا الكتاب يعني عدم تقديم النبي لمعجزة حسّية على غرار الأنبياء السّابقين، وإلاّ فإنّ القرآن صريح في تحدّيه العرب بل الانس والجن على كونه بنفسه برهانا على صدق اتصال النبي محمّد بالسماء، وإنْ كان هناك كلام حول ماهيّة وطبيعة هذا البرهان القرآني، فهل هو برهان بلاغي أم بياني ام معارفاتي أم وجداني أم خليط من هذه كلها أم شيء آخر؟
ثانيا: الحاجة الى البرهان لإثبات صحّة الاتصال بالإله حاجة طبيعية، وذلك لأن مجرّد الإتيان بشريعة فطرية، أو قوانين "سليمة"، أو الحث على استخدام العقل، لا يعني أن صاحب الدعوى متّصل بالسماء، وأنه صادق في هكذا دعوى، وخاصّة أنّ مثل هذه الأمور لا يمتنع العقل من إمكانيّة كونها بشريّة خالصة، فلكي تتحول الى دعوى الهية لابدّ من وجود برهان، ويجب أن يكون هذا البرهان "فعلا" موصِلا الى الإله.
ثالثا: يعترض بعض الاخوة على تسمية "الآية" بالمعجزة وكونها خارقة للمألوف أو العادة، وهو أمر غريب من وجهة نظري، لأنه ما معنى أن تكون "الآية" آية اذا كانت تُساير العادة؟ ولعلّه من هذا الباب فهم القدماء أنّ معنى "الآية" في القرآن هو "المعجزة".
رابعا: هناك آيات قرآنيّة كثيرة يذكرها الكاتب في فصل كتابه الأوّل: "نبيّ بلا معجزة" تُفهم منها النتيجة التي ذهب اليها، وهي أنّ النبيّ محمّد لم يُقدّم للقوم على كثرة تكرارهم لطلبهم أيّةُ "آية" حسّية، وجدير بالذكر أني قرأت في كتاب آخر لعله كتاب"سرّ الإعجاز القرآني، نقد للموروث الديني" لأحمد القبّانجي أنّ معظم آيات التحدّي القرآني - التي يصف فيها القرآن نفسه بكونه برهانا على صحّة دعوى اتصال النبي محمد بالسماء - نزلت في المدينة أصلا، ولا أدري مدى صحّة هذا الكلام. اضافة الى انّ آيات الاسراء والمعراج وانشقاق القمر التي يصنّفها الكثيرون ضمن معجزات النبيّ الاكرم يجب طرح السؤال التالي بخصوصها: هل هي تكريم للنبي محمّد أم فعلا معجزة؟، (وأعتقد بأن المُصنِّفين خلطوا بين الكرامات والمعجزات خلطا كبيرا)، ولا ننسى أنّ البعض قديما أنكر كون انشقاق القمر معجزة للنبي - بمعنى أنه قدّمها ليثبت صحّة نبوّته - وفسّروها - وكما يذكر جورج طرابيشي نفسه - على انها حادثة ستقع - اعتمادا على بعض قواعد اللغة - وليست وقعت.
خامسا: يمكننا أيضا أن نتساءل عن أسباب حصول الكرامات "الحسّية" - والتي أفرّق بينها وبين آيات النبوة بعدم كونها مقرونة بالتّحدّي - وذلك لأنّ حصول الكرامات شئنا أم أبينا ستجذب الناس إليها، وتعمل على "تعطيل عقولهم" ، والذي هو نفسه - حسب الكتاب - لم يرده الشارع الحكيم، ولذلك لم يزوّد آخر انبيائه بأيّة "آية" "حسّية" على صحّة اتصاله به.
سادسا: اذا لم تكن النبوة بحاجة الى آية أو معجزة حسّية رغم خطورة الموقف وكثرة الطلب، فلماذا يصرّ المصنّفون على أنّ الأئمة من أهل البيت قدّموا معاجز أو آيات حسّية على إمامتهم؟ ومن هنا يتّضح ما ذهب اليه المؤلف من كون هذه المعجزات تحُلّ مَحلّ اللاواقعيّة واللافعليّة التاريخيّة للشيعة قبال السنّة أوّلا، وثانيا لتحل محل الخلافات الاماميّة الداخليّة. وكذلك أيضا اذا صحّت دعوى "نبي بلا معجزة في القرآن" نتساءل عن سبب نشوء كلّ هذه المعاجز النبوية، وقد ذهب المؤلف الى كونها محاولة لإقناع أقوام البلدان المفتوحة صاحبة التاريخ الطويل في معاجز أنبيائها وقياداتها أو التنافس معها. وجدير بالذكر أنّ المؤلف اضافة الى هذا السبب الأخير - لنشوء المعجزات النبوية - يذكر سببا آخر وهو كون الاعجاز القرآني - أي الذي ادّعاه القرآن حقّا وبشكل صريح وواضح - يحتاج الى فهم اللغة العربية، وهو سبب غريب بعض الشيء، لأنّه اذا كان مرادُه من هذا الإعجاز القرآني هو الإعجاز الرّسالي والتّعليماتي فهذا لا يحتاج الى فهم اللغة وتكفي فيه التّرجمة. نعم، لو كان مراده الإعجاز البلاغي - أو ما يمكن أن نسمّيه "سحر اللغة القرآنية" - فيحتاج الى فهم اللغة. ولكنّ ما لا أجده مقنعاً في هذا التفسير هو أنّ هذه المعجزات ستظل مجرّد أخبار لأقوام البلدان المفتوحة يُخبرُهم ايّاها الذين فتحوا بلادَهم ولهم طمع في اسلامهم، فكيف فكّر هؤلاء المصّنفون أنّها ستكون مقنعة؟ وهذا يقودنا الى سؤال آخر وهو: كيف كان هؤلاء - المؤمنين بالمعجزات النبوية الحسية - يفهمون الاعجاز القرآني؟ يعني لو كان الاعجاز القرآني مجرّد اعجاز رسالي لا علاقة له باللغة التي نزل بها فانه سيتساوى مع المعجزات الحسّيّة في امكانيّة اقناع أقوام البلدان المفتوحة باعتبار أنّها كلها أخبار للأقوام الجديدة الغريبة عن اللغة العربية - الا اذا قلنا ان عقليّة هؤلاء الأقوام لم تكن تستوعب فكرة "نبي بلا معجزة حسّية" أصلاً.
شكراً للقراءة..
الأحد، 31 يوليو، 2011
قراءة في نظرية "الحداثة والإتجاه المعنوي"
قراءة في نظرية "الحداثة والاتجاه المعنوي"
علي داود اللواتي
الأول: المدخل الديني النّصيأي أن نقوّم النظرية وفق الأسس المعرفية التي نؤمن بها، ومنها الكتاب والسنة، باعتبار أن المسلمين يؤمنون بالكتاب والسنة (حسب الفرض). فكما أن ملكيان قوّم الدين على أسس معرفية لا يؤمنون بها، فمن حق المؤمنين أن يقوموا نظريتهم على أسس معرفية يؤمنون بها.وطبق هذا المدخل أعتقد أنهم سيتفقون مع ملكيان على القول: إن هذه النظرية ناقصة. فالقرآن يحوي مئات الآيات الدالة على التوحيد، والتوحيد قضية خبرية حقيقية، ولا يمكن أن نعتبرها من الأمور الرمزية. ثم ما قيمة البعثة أصلاً؟ ألم يكن لدى المشركين آلهة، وكان عندهم رضا باطني؟أضف إلى ذلك أن ملكيان لم يبيّن لنا أن إحدى الوسائل -كالإسلام- أفضل من غيرها -كالمسيحية- في كسب الرضا الباطني، إنما اعتبرها متساوية، سواء على صعيد النظم الاجتماعية، أم على صعيد الدين، أم على صعيد المعرفة الإنسانية. فالأديان عنده في عرض واحد، بل إن الدين وغير الدين عنده يمكن أن يحقق المعنوية، فالإلحاد يحقق المعنوية، وماركس يحققها أيضاً، فمن الطبيعي إذن أن تتنافى هذه الفكرة مع المضمون القرآني، وكل من يعتقد بالقرآن (أو الكتب المقدسة) والنبوة بالمعنى المدرسي لتفسير الدين، من الطبيعي ألَّا ينسجم مع هذا الاتجاه، ويكون هذا المدخل ليس لصالح النظرية.ويجدر بالذكر هنا أن ملكيان لا يهمه هذا المدخل، لأنه يقول لك: إنك تناقش على أساس ميتافيزيقي، اسمه الله والكتاب والنبي والسنة وغير ذلك، وأنا لا أؤمن بذلك من الأصل.فهذا المدخل لا يجدي نفعاً معه، ولا مع الذين يؤمنون بنظريته.
أولا: يجب أن نَفهم كيف ينظر الدكتور ملكيان الى الدّين، وأين يَضع الدّين بالضبط، فشخصيّا حسب ما فَهمت من كتاباته وأفكاره فهو يقول أن العلوم الحديثة أشبعت الكثير من مطالب واحتياجات الانسان من السياسة والاقتصاد والقوانين المدنية وحقوق الانسان وغير ذلك، ولم يبقَ للدّين سوى اشباع الحاجة المعنويّة عند الانسان، والمعنويّة عنده تعني مواجهة العالَم والوجود وحقائقهما بنحو يَكسب به الانسانُ حالةً من البهجة والسعادة والإطمئنان او "الرّضا الباطني"، فقوْل أنّه يُمكن نقْد نظريّة ملكيان التي عَنْوَنها بعنوان (العقلانيّة والمعنويّة) من خلال النّصوص الدينيّة ليس في محلّه - على الأقل عند محاورة ملكيان نفسه.
ثانيا: يقول الكاتب أن الدكتور ملكيان وضع جميع الأديان وحتى الإلحاد في خانة واحدة من حيث أنّها جميعا يُمكن أن تُوفّر الرّضا الباطني أو المعنويّة، وهذا صحيح حسب ما فهمتُ شخصيًّا، فالمعنويّة عند الدكتور ملكيان يُمكن توفيرُها من خلال ثلاث مصادر وهي:
1- النصوص والتعاليم الدينيّة.
2- تعاليم ومسالك العرفاء الشرقيّين أو الغربيّين.
3- بعض المذاهب الانسانيّة والوجوديّة.
أمّا مسألة أن الاسلام يوفّر رضاً باطنيّ أكثر من المسيحيّة مثلا، فبإعتقادي أنَّ هذا الأمر يفتقر الى الفهم الذي سأوضّحه كالتالي:
1- الرّضا الباطني وكما أشرتُ سابقاً يُفسّره ملكيان على أنّه نوع مواجهة مع العالَم والوجود، وهذا النّوع من المواجهة تعني تجربة الأمر المتعالي واللامتناهي المتوفّر في هذه الأديان والاتجاهات جميعها بغضّ النّظر عن طقوسها ورموزها وشكليّاتها وعقائدها، وبالتالي فإنّ هذه الطقوس والشكليّات والشعائر المُختَلَف عليها بين هذه الأديان والإتّجاهات هي فقط بمثابة التفسير لتلك التجربة مع الأمر المتعالي واللامتناهي، وهي بمثابة ممارسة تُمكِّن الأفرادَ من الحصول على نفس التّجربة، فأهمّية هذه الممارسات والشعائر عند ملكيان - حسب ما فهمتُ شخصيًّا - لا تَكْمُن في ذاتِها وإنّما فيما تقدّمه للإنسان من مَنفعة، ويَعتقد بأن هذه الممارسات والشعائر النّابعة من تلك التجربة تَصْطبغ بالثقافة المحلّية لصاحب "التجربة الإبتدائيّة"، وبالتالي: اذا كان مقصود الكاتب بأنّ الشعائر والطقوس المُختلفة توفر معنويات مختلفة ومتفاوتة فهذا لا يُمكن محاورة الدكتور ملكيان على أساسه إلاّ بعد حلّ وتفكيك هذه النقطة.
2- يعتقد الدكتور ملكيان أنّ المَقولات الميتافيزيقيّة التي تدّعيها الأديان غير قابلة لا للاثبات ولا للنفي، وبالتالي فهي جميعًا تندرج ضمن خانة الإمْكان، يعني جميعها مُمكنة، ومن هذه الجهة تتساوى جميع هذه الاديان والاتجاهات، وبالتالي: إذا كان الكاتبُ يَقصد أن العقائدَ المُختلِفة توفّر معنويّات متفاوتة فأيضا يجب أوّلا حلّ وتفكيك هذه النقطة.
وفي اعتقادي انه حتى لو تمّ اثبات عكس ما يَعتقد به ملكيان، فإنّ هذا لن يؤثر على نظريّته. لماذا؟ لأنه يرى حسب التّجربة أن الرّضا الباطني متحقّق عند المؤمنين بجميع الأديان والإتّجاهات، فهناك أشخاص مسيحيّون مثلاً ومعنويّون وانسانيّون الى درجة كبيرة جدًّا، وقد قضوا حياتهم في خدمة البشر، وهناك العرفاء باختلاف توجّهاتم وسلوكيّاتهم يتمتّعون بمعنويّات عالية جدًّا، وبالتالي فان اختلاف الأديان والتوجّهات سواء عقائديّا أو سلوكيًّا ليس هو السبب في تفاوت المعنويات والرّضا الباطني بين البشر، فدعوى أن الاسلام يوفّر رضا باطنيّ أكثر من غيره بحاجة الى تفصيل واستدلال أكثر مع تعريف المقصود من كلمة "الاسلام" بدقّة.
ثانيا: يقول الكاتب أن الدكتور ملكيان وضع جميع الأديان وحتى الإلحاد في خانة واحدة من حيث أنّها جميعا يُمكن أن تُوفّر الرّضا الباطني أو المعنويّة، وهذا صحيح حسب ما فهمتُ شخصيًّا، فالمعنويّة عند الدكتور ملكيان يُمكن توفيرُها من خلال ثلاث مصادر وهي:
1- النصوص والتعاليم الدينيّة.
2- تعاليم ومسالك العرفاء الشرقيّين أو الغربيّين.
3- بعض المذاهب الانسانيّة والوجوديّة.
أمّا مسألة أن الاسلام يوفّر رضاً باطنيّ أكثر من المسيحيّة مثلا، فبإعتقادي أنَّ هذا الأمر يفتقر الى الفهم الذي سأوضّحه كالتالي:
1- الرّضا الباطني وكما أشرتُ سابقاً يُفسّره ملكيان على أنّه نوع مواجهة مع العالَم والوجود، وهذا النّوع من المواجهة تعني تجربة الأمر المتعالي واللامتناهي المتوفّر في هذه الأديان والاتجاهات جميعها بغضّ النّظر عن طقوسها ورموزها وشكليّاتها وعقائدها، وبالتالي فإنّ هذه الطقوس والشكليّات والشعائر المُختَلَف عليها بين هذه الأديان والإتّجاهات هي فقط بمثابة التفسير لتلك التجربة مع الأمر المتعالي واللامتناهي، وهي بمثابة ممارسة تُمكِّن الأفرادَ من الحصول على نفس التّجربة، فأهمّية هذه الممارسات والشعائر عند ملكيان - حسب ما فهمتُ شخصيًّا - لا تَكْمُن في ذاتِها وإنّما فيما تقدّمه للإنسان من مَنفعة، ويَعتقد بأن هذه الممارسات والشعائر النّابعة من تلك التجربة تَصْطبغ بالثقافة المحلّية لصاحب "التجربة الإبتدائيّة"، وبالتالي: اذا كان مقصود الكاتب بأنّ الشعائر والطقوس المُختلفة توفر معنويات مختلفة ومتفاوتة فهذا لا يُمكن محاورة الدكتور ملكيان على أساسه إلاّ بعد حلّ وتفكيك هذه النقطة.
2- يعتقد الدكتور ملكيان أنّ المَقولات الميتافيزيقيّة التي تدّعيها الأديان غير قابلة لا للاثبات ولا للنفي، وبالتالي فهي جميعًا تندرج ضمن خانة الإمْكان، يعني جميعها مُمكنة، ومن هذه الجهة تتساوى جميع هذه الاديان والاتجاهات، وبالتالي: إذا كان الكاتبُ يَقصد أن العقائدَ المُختلِفة توفّر معنويّات متفاوتة فأيضا يجب أوّلا حلّ وتفكيك هذه النقطة.
وفي اعتقادي انه حتى لو تمّ اثبات عكس ما يَعتقد به ملكيان، فإنّ هذا لن يؤثر على نظريّته. لماذا؟ لأنه يرى حسب التّجربة أن الرّضا الباطني متحقّق عند المؤمنين بجميع الأديان والإتّجاهات، فهناك أشخاص مسيحيّون مثلاً ومعنويّون وانسانيّون الى درجة كبيرة جدًّا، وقد قضوا حياتهم في خدمة البشر، وهناك العرفاء باختلاف توجّهاتم وسلوكيّاتهم يتمتّعون بمعنويّات عالية جدًّا، وبالتالي فان اختلاف الأديان والتوجّهات سواء عقائديّا أو سلوكيًّا ليس هو السبب في تفاوت المعنويات والرّضا الباطني بين البشر، فدعوى أن الاسلام يوفّر رضا باطنيّ أكثر من غيره بحاجة الى تفصيل واستدلال أكثر مع تعريف المقصود من كلمة "الاسلام" بدقّة.
الثاني: المدخل المبنائيإن أهم مبنى تقوم عليه هذه النظرية -في رأيي، بل في رأي ملكيان كما صرح بذلك في غير موضع من أبحاثه ودراساته وحواراته- هو عدم وجود دليل في العالم يؤكد أو ينفي وجود الله. وهو ما يسميه إيمانويل كنت[99] بتكافؤ الأدلة[100]، فليست هناك أدلة مهيمنة وأدلة ضعيفة، ولذلك فإن العقل النظري يعجز عن العمل، بسبب هذا التكافؤ، لأنك تأتي بعشرة براهين على وجود الله، فيؤتى لك بأكثر من ذلك على العكس، كما يقول كنت والكانتيون[101].فالعلامة الحلي (ت 726هـ) مثلاً في كتاب «الألفين» يأتي بألف دليل ودليل على إمامة علي بن أبي طالب، فيأتي آخر بألف دليل ودليل على نقضها. فالأدلة إذن كلها متكافئة، ولا يمكن الحصول على الحقيقة في عالم الواقع الخارجي، خصوصاً فيما يرتبط بالميتافيزيقيا.هذا هو المبنى الذي تقوم عليه النظرية، وما دام هو يعتقد بهذا المبنى فلا مشكلة في ذلك، والنظرية مقبولة. فلا يمكن أن يقال له: يلزم من كلامك أن لا فرق بين الملحد والمسلم، لأنه يجيبك: وليكن ذلك. وهذا أشبه بما دار بين علمين من أعلام المعتزلة والأشاعرة، قال المعتزلي للأشعري: يلزم من كلامك أن يكون الله كاذباً، قال الأشعري: وليكن ذلك، لأنني لا أقول بالتحسين والتقبيح العقليين، وإذا كذب الله تعالى فإن كذبه هو عين الحُسن. قال المعتزلي: يلزم من كلامك أن يكون الله ظالماً. قال: وليكن، فما يفعله الله هو عين الحسن، وإن سميته أنت ظلماً، لأنه تقبيح عقلي.هذا هو الحال في النظرية موضع البحث، فمن يبني على الأرضية النسبية في علم المعرفة، وعدم إمكان الوصول في الميتافيزيقيا إلى نتيجة، فمن الطبيعي ألَّا يستفيد من الدين في الجانب الفقهي مثلاً، لأنه مشكوك فيه من الأصل عنده، ولا يستفيد من القراءة التاريخية للدين لأنها مشكوك فيها عنده أيضاً، وهكذا. وعندئذ يلجأ إلى الطرح المعنوي.فأحد أشكال نقد النظرية إنما هو نقد البناء التحتي الذي قامت عليه، لا مناقشة في النظرية ذاتها. فإذا نسفت البناء التحتي جعلت الباحث يضطر إلى التسليم.
لا أتّفق مع الكاتب - مع كامل التواضع - في أن اثبات خطأ الدكتور ملكيان في اعتقاده بعدم امكانيّة اثبات أو نفي المقولات الميتافيزيقيّة يُمكن أن يَنسف بناء نظريّة (العقلانية والمعنوية)، وفي مناقشتي للمدخل الأوّل أَشرتُ الى السّبب، وأضيف هنا شيئا آخرا، وهو: أنّ الدكتور مكليان وضّح - أيضا - أن الحداثة تفرض أسئلة جديدة مختلفة عن الأسئلة التي كان القدماء يبحثون عن أجوبتها. يعني القدماء كانوا يبحثون في الأسئلة التالية: من أين جئت؟ الى أين أسير؟ وماهو الطريق الموصّل بين المبدأ والمصير؟، ولكن الحداثة لا تُعطي أهمّية كبيرة لهذه الأسئلة، وعندها سؤال أساسي واحد وهو: ماذا أفعل؟
وفي اعتقادي يُمكن وضع ما يَقصدُه الدكتور ملكيان في صياغة أخرى وضَّحها هو نفسه في كتاباته، وهي: أن معنى الحياة اليوم - وكما تفرضه الحداثة والتطوّر الفكري والعلمي والتقني - لا يتحدّد بهدف الخِلقَة بحيث أن الانسان يسأل الخالق بأنك عندما خلقتني لماذا خلقتني وبأي هدف خلقتني، فيسير في حياته وفق هدف الخِلقَة، ولا يَتحدّد أيضاً بالبحث عن دور ووظيفة الانسان في العالَم والوجود ككلّ، وإنّما يتحدَّد بقولِ الانسان أنني الآن موجود وأنا أملك هذه الإمكانيّات والقوى، فماذا أفعل بهذه القوى والامكانيّات؟ كيف أُوظِّفها بحيث تُحقِّق لي السّعادة والبَهجة والطمأنينه "في هذا العالم"؟. وبعبارة ثالثة: وكما يُوضّح ملكيان نفسه - أن الانسان الحداثيّ لا يهتم بالآخرة كثيرا، ويريد أن يُحقّق سعادتَه ومَنفعتَه في هذا العالَم، وهذه السّعادة يجب أن تَأخُذ الإتجاه المعنوي بعين الاعتبار أيضا، والا فإنّها لن تكتمل، وسيبقى الانسان المعاصر أو الحداثي يعيش الفراغ الباطني "في هذا العالم".
وفي اعتقادي يُمكن وضع ما يَقصدُه الدكتور ملكيان في صياغة أخرى وضَّحها هو نفسه في كتاباته، وهي: أن معنى الحياة اليوم - وكما تفرضه الحداثة والتطوّر الفكري والعلمي والتقني - لا يتحدّد بهدف الخِلقَة بحيث أن الانسان يسأل الخالق بأنك عندما خلقتني لماذا خلقتني وبأي هدف خلقتني، فيسير في حياته وفق هدف الخِلقَة، ولا يَتحدّد أيضاً بالبحث عن دور ووظيفة الانسان في العالَم والوجود ككلّ، وإنّما يتحدَّد بقولِ الانسان أنني الآن موجود وأنا أملك هذه الإمكانيّات والقوى، فماذا أفعل بهذه القوى والامكانيّات؟ كيف أُوظِّفها بحيث تُحقِّق لي السّعادة والبَهجة والطمأنينه "في هذا العالم"؟. وبعبارة ثالثة: وكما يُوضّح ملكيان نفسه - أن الانسان الحداثيّ لا يهتم بالآخرة كثيرا، ويريد أن يُحقّق سعادتَه ومَنفعتَه في هذا العالَم، وهذه السّعادة يجب أن تَأخُذ الإتجاه المعنوي بعين الاعتبار أيضا، والا فإنّها لن تكتمل، وسيبقى الانسان المعاصر أو الحداثي يعيش الفراغ الباطني "في هذا العالم".
الثالث: المدخل البنائيوهو أن تسلّم معه في المبنى، وتتجاوز النظم الفكرية والميتافيزيقية والمعتقدات الخاصة التي تحملها، وتدخل معه في الحلبة ذاتها التي دخل فيها.وأذكر هنا بعض النماذج المختصرة لأسلط الضوء على هذا الأمر:تشطير الحداثة والمقدس1- يسجل على ملكيان إشكال أساسي فيما يتعلق بتقسيم الحداثة إلى ما يمكن اجتنابه وما لا يمكن اجتنابه، فإنه لم يذكر دليلاً معيناً يثبت أن العناصر التي ذكرها هي التي لا يمكن اجتنابها، إنما افترض افتراضاً عارياً عن الدليل، وصوّر الحداثة بصورة خاصة، ثم قسمها إلى قسمين، فلم يبيّن لنا كيف عرف أن هذا يمكن اجتنابه وذاك لا يمكن؟ فكيف عرف مثلاً أنه لا يمكن اجتناب التعبد في عصر الحداثة، أو اجتناب المقدس؟ ألا يوجد عند الغربيين واليابانيين مقدسات وهم في قمة الحداثة اليوم؟ اللهم إلا إذا أراد ملكيان أن ينسج حداثة نموذجية جديدة.فلم يبيّن لنا المبرر المنطقي لهذا التقسيم، ومن ثم فالمجال مفتوح، ويمكن لأحد أن يقول: لا تنافي بين المقدس والحداثة، نعم، من الممكن أن نتصور التنافي بين الحد الأعلى من المقدس وبين الحداثة، فالمجتمعات التي فيها حد أعلى من المقدس من الممكن أن تتنافى حياتها مع الحداثة، كما في حياة بعض القبائل أو العشائر في العالم. لكن ذلك ليس معناه عدم وجود إمكانية لتقديم مجتمع يؤمن بالحد الأدنى للمقدس وينسجم مع الحداثة.هذه إحدى الثغرات في النظرية، ويمكن أن يكون لديه جواب لم يقدمه لنا. ومن ثم لا يمكن أن نجزم أن الدين بالمفهوم التقليدي لا يجتمع مع الحداثة.ثم إن الدين بالمفهوم التقليدي الذي قدمه لنا إنما هو رتب ومراتب، كما أن المعنوية رتب ومراتب، وكما اعتبر هو أن الفهم المتحجر للدين غير الفهم التقليدي.وبذلك فهو لم يحاول أن يعيد هيكلة الفهم التقليدي للدين، لنرى ما إذا كان من الممكن أن ننقص منه ما ينافي الحداثة، ويبقى على ما هو عليه.ففي مجتمعنا مثلاً يقدس الناس عموماً، علماء الدين، فنقول: المقدس الأردبيلي[102]، ولكن هناك من التقليديين من لا يقدس العلماء، إنما يقدسون النبي والأئمة والصحابة فقط، فلماذا لم نلحظ هذا التفاوت التشكيكي زيادة ونقصاً عند حسابنا لدرجة التعارض بين الحداثة والدين بالفهم التقليدي له؟ فهناك مدارس كثيرة في داخل الفهم التقليدي للدين، ويمكن العثور على مدرسة قادرة على التكيف مع الحداثة. فلم يبذل ملكيان جهداً لتلمس هذا الموضوع، إنما أطلق الكلام، وجعل جميع المدارس على خصام مع الحداثة، لأنها تؤمن بالقداسة.
1- أعتقد أن ما يقصده الدكتور ملكيان من كلمة "الحداثة" هو نفسه ما عَنيْته أنا في موضوع (مشكلة الوعي المُعاصر) بكلمة "الوعي المُعاصر"، ويمكن فهم مصاديق هذا المفهوم من خلال النّظر الى المجتمعات المتقدّمة فكريّا وعلميّا وعمليّا وفي مجالات السياسة والاقتصاد والبحث العلمي وحقوق الانسان وما الى ذلك، ويمكن بنفس الطريقة - أي التجربة - فهم لماذا قسّم الدكتور ملكيان الحداثة الى قسمين: قسم يمكن اجتنابة وقسم لا يمكن اجتنابه، وربّما يكون عند الدكتور ملكيان كلاما آخرا في صدد "الاستدلال" على هذا التقسيم.
2- إنَّ مفهوم القداسة والتعبُّد الذي يقول الدكتور ملكيان أنّه يُعارِض "الحداثة" هو ذاك التعبّد وتلك القداسة التي تتعارض مع:
أولا: العقلانيّة الذي تُطالب بالدّليل في كل شيء.
ثانيا: البراجماتيّة أو الدنيويّة أو العَلْمَنة التي تُريد الآثار النَّافعة في هذا العالَم لا في عالَم آخر.
فبالتّالي يجبُ النَّظر في أنّ قداسة اليابانيّين والغربيّين "الحداثيّين" التي يَذكرُها الكاتبُ هل تتعارض مع هذين المفهومين أم لا.
2- إنَّ مفهوم القداسة والتعبُّد الذي يقول الدكتور ملكيان أنّه يُعارِض "الحداثة" هو ذاك التعبّد وتلك القداسة التي تتعارض مع:
أولا: العقلانيّة الذي تُطالب بالدّليل في كل شيء.
ثانيا: البراجماتيّة أو الدنيويّة أو العَلْمَنة التي تُريد الآثار النَّافعة في هذا العالَم لا في عالَم آخر.
فبالتّالي يجبُ النَّظر في أنّ قداسة اليابانيّين والغربيّين "الحداثيّين" التي يَذكرُها الكاتبُ هل تتعارض مع هذين المفهومين أم لا.
3- ذكر الكاتبُ أن القداسة بالحدّ الأدني لا تتعارض مع الحداثة، ولكن لا هو ولا الدكتور ملكيان وضح هذا الحدّ الأدنى، وحسب اعتقادي فإنّ هذا الحدّ الادنى الذي يقصدُه الدكتور ملكيان هو احترام العلماء والمتخصّصين واعطاءهم مكانة في الحوار والمجتمع، وليس استقبال كل ما يقولونه من دون مُطالبَتِهم بالدّليل، بل أنهم يستحقون هذا الحدّ الادنى من القداسة لأنهم قادرون على مناقشة موضوعات تخصّصاتهم وتقديم استدلالات على مَقولاتهم وعدم فرضهم لآرائهم على الآخرين، وإلا اذا تجاوزوا هذه الأمور فإنَّهم لا يستحقّون حتى ذلك الحدّ الادنى من القداسة.
مفهوم التعبد في الدين2- يعتبر ملكيان أن التعبد أو ما أسميناه بالاحتكام للغير في مقابل الاحتكام للذات هو نقطة الخصام الرئيسة بين الدين التقليدي والحداثة -حسب فهمي لنظريته- وأكثر النقاط، كالمقدس مثلاً، إنما يعود لهذه النقطة[103].وهذه النقطة بحاجة إلى شيء من التحليل، ذلك لأن ملكيان سجل على نفسه نقطة مهمة، وهي أنه يقبل بالتقليد العقلاني، ووضع لذلك ثلاثة مناهج، وهي -كما ذكرنا سابقاً- استقراء التاريخ، والتجربة الشخصية، والرجوع إلى أهل الخبرة، فهناك إذن مجال لقبول التقليد عنده، والتقليد هو عين التعبد في المفهوم الحداثي.فلنأخذ هذه المساحة في قبول التقليد، ونتفحص دائرة الدين، لنرى ما إذا كان في الدين تعبد عقلاني أم لا، أما ملكيان فقد قدم التعبد في الدين بصيغة واحدة، هي التعبد غير العقلاني، ولم يحاول أن يبين لنا أن هناك تعبداً عقلانيًّا في دائرة الدين، وحتى لو حاول ذلك فإنه لا يجعله عنصراً مقوماً للدين، أي أن التعبد العقلاني لا قيمة له في الدين، وأن الدين قائم على التعبد اللاعقلاني، والتسليم المطلق.وهذه النقطة يجب أن نقف عندها قليلاً، لأنها ذات علاقة بأكثر العلوم الإنسانية، ولا بد من دراسة العلاقة بين ما هو عقدي (عقائدي) وتاريخي، أو بين ما هو عقدي وفقهي، أو ما هو عقدي وواقعي.
ذكرتُ أعلاه فهمي الخاص من كتابات الدكتور ملكيان بأنّ التعبُّد الذي يُعارِض الحداثة ويكون عين التقليد المرفوض عنده هو ذاك التعبّد الذي يتعارض مع:
أولا: العقلانية الذي تطالب بالدليل في كل شيء.
ثانيا: البراجماتية أو الدنيوية أو العلمنة التي تريد الآثار النافعة في هذا العالم لا في عالم آخر.
والتقليد الذي يقبلُ به الدكتور ملكيان والذي حدّده في الأمور الثلاث التالية: استقراء التّاريخ، والتجربة الشخصيّة، والرجوع الى المتخصّصين، هذه الامور لا أرى أنها تتعارض مع المفهومين: العقلانيّة والدنيويّة، فحتى رجوع الانسان المعاصر الى طبيب متخصّص لا يَخلو من سُؤَالِه إيَّاه عن طبيعة مرضه، وأعراضه، وآثار الدّواء، وقرائَتِه شخصيًّا لنتائج الفحْص، ومتابعته الشّخصيّة لحالة مرضه، وما الى ذلك، وهذا واضح أنّه جزء من العقلانيّة، وهو لا يذهب الى أيّ طبيب وانّما يذهب الى طبيب ذو سمعة حسنة، يرجو - وحسب مبدأ الدنيويّة - أن ينتفع من دواءه في هذا العالَم لا في عالَم آخر. فيجب أن نعرف - برأيي - أين نُطبِّق العقلانيّة بشكل كامل، وأين نُطبِّق النفعيّة بشكل كامل، وأين نُوازِن بينَهما.
ولكنّ التّقليد الذي يُعارضه ملكيان هو مثل تقليد العامّة للمراجع والفقهاء، فهذا التّقليد وأن كان من باب رجوع الجاهل الى العالِم ألا أنّه لا يُمكن تشبيهُهُ برجوع المريض الى الطّبيب، لأنّه يَفتقرُ الى المُمارسة والطّريقة التي يَتْبَعُها الإنسان المُعاصر والعقليَّة المعاصرة مع الطّبيب، اضافة الى أنّه لا يَهتمّ بمسألة أنّ آثار هذا التّقليد هل متوفّرة أم لا، فعلى المُقلِّد أن يُقَلِّد ويُطَبِّق فتاوى المُجْتَهد سواء كان هو يَستفيد في واقعه ومعيشته من هذه الفتاوى أم لا. يعني لنأخذ مثلا الصّلاة - وكما يُصرِّح ملكيان في احدى كتاباته - أنّ الإنسان الذي يُصلِّي فقط من باب أنَّه أمر الهيّ فهو انسان "غير حداثيّ" وتَعبُّده هذا خلاف "الحداثة" وخلاف "النفعيَّة" في الوعي المعاصر.
أولا: العقلانية الذي تطالب بالدليل في كل شيء.
ثانيا: البراجماتية أو الدنيوية أو العلمنة التي تريد الآثار النافعة في هذا العالم لا في عالم آخر.
والتقليد الذي يقبلُ به الدكتور ملكيان والذي حدّده في الأمور الثلاث التالية: استقراء التّاريخ، والتجربة الشخصيّة، والرجوع الى المتخصّصين، هذه الامور لا أرى أنها تتعارض مع المفهومين: العقلانيّة والدنيويّة، فحتى رجوع الانسان المعاصر الى طبيب متخصّص لا يَخلو من سُؤَالِه إيَّاه عن طبيعة مرضه، وأعراضه، وآثار الدّواء، وقرائَتِه شخصيًّا لنتائج الفحْص، ومتابعته الشّخصيّة لحالة مرضه، وما الى ذلك، وهذا واضح أنّه جزء من العقلانيّة، وهو لا يذهب الى أيّ طبيب وانّما يذهب الى طبيب ذو سمعة حسنة، يرجو - وحسب مبدأ الدنيويّة - أن ينتفع من دواءه في هذا العالَم لا في عالَم آخر. فيجب أن نعرف - برأيي - أين نُطبِّق العقلانيّة بشكل كامل، وأين نُطبِّق النفعيّة بشكل كامل، وأين نُوازِن بينَهما.
ولكنّ التّقليد الذي يُعارضه ملكيان هو مثل تقليد العامّة للمراجع والفقهاء، فهذا التّقليد وأن كان من باب رجوع الجاهل الى العالِم ألا أنّه لا يُمكن تشبيهُهُ برجوع المريض الى الطّبيب، لأنّه يَفتقرُ الى المُمارسة والطّريقة التي يَتْبَعُها الإنسان المُعاصر والعقليَّة المعاصرة مع الطّبيب، اضافة الى أنّه لا يَهتمّ بمسألة أنّ آثار هذا التّقليد هل متوفّرة أم لا، فعلى المُقلِّد أن يُقَلِّد ويُطَبِّق فتاوى المُجْتَهد سواء كان هو يَستفيد في واقعه ومعيشته من هذه الفتاوى أم لا. يعني لنأخذ مثلا الصّلاة - وكما يُصرِّح ملكيان في احدى كتاباته - أنّ الإنسان الذي يُصلِّي فقط من باب أنَّه أمر الهيّ فهو انسان "غير حداثيّ" وتَعبُّده هذا خلاف "الحداثة" وخلاف "النفعيَّة" في الوعي المعاصر.
والسبب في عدم أخذ العلم بالنظريات الأيديولوجية إنما هو عدم إيمانه بها أصلاً، لا أنه يؤمن بها ويعتقد منهجيًّا بحرمة الخلط فيما بينها وبين العلم. فعلماء العلم الحديث لا يؤمنون أن نصوص التوراة[106] والإنجيل[107] مصدر معرفي، فمن الطبيعي أن ينحّوها جانباً في بحثهم العلمي. بدءاً من المفكر اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا (ت 1677م) الذي شكك بنُسَخ الكتاب المقدس[108] بالذات التوراة، وتصاعدت عملية التشكيك، واشتهرت نظرية الترميز في الكتب المقدسة المسيحية خصوصاً، وهي أن تلك الكتب ما هي إلا رموز، وليس لها دلالات إخبارية. فمن الطبيعي إذن، أن من لا يؤمن بذلك لا يُقحم الكتاب والسنة، ولا التوراة والتلمود[109]، في أي بحث علمي، لأن ذلك ليس له قيمة معرفية عنده[110].
رغم أني لم أفهم بالضبط لماذا تكلَّم الكاتب عن هذه النقطة (!) الا أنّي أعتقد أنّ ما يقوله هنا من أنَّ العلم الحديث لا يَعترف بالنظريّات الإيدلوجيّة أصلا، ولذلك لا يُدخلُها في أبحاثه، أعتقد أنه صحيح، ولكن هذا ليس هو "خلاصة الموضوع" برأيي، لأن:
أولا: العلوم والمعارف اليوم تَوسَّعت جدًّا، بحيث يَصعُب على الانسان الواحد أن يتخصَّصَ ويَتعمَّق في أكثر من تخصُّص واحد، ويفهم جميع أبعاده، وهذا يعني فصْل العلم عن الدِّين، فاذا وافقت مُعطياتُ العلم مُعطياتَ الدّين وافقت، واذا لم توافق لم توافق.
ثانيا: يوجدُ في التّاريخ الإسلاميّ فلاسفة وعُرفاء ومتكلِّمون لم يَعطوا الأولويَّة للنُّصوص المُقدَّسة مع ايمانِهم بها، فالشّيخ الرئيس ابن سينا مثلا اتّبع الموضوعيّة التامّة في بحث امكانية المَعاد الجِسمانيّ مثلا، وتوصّل الى أنَّه مُحال - حسب ما أذكر - وبالرغم من ذلك يقول بأنَّه ونظراً لإيمانِه بالنُّصوص المُقدَّسة يُؤمن به. ففي اعتقادي ان حصر عدم تدخل النظريات الايديولوجية في العلم الحديث بعدم ايمان العلماء بها أصلا حصر غير مقبول بشكل كامل.
أولا: العلوم والمعارف اليوم تَوسَّعت جدًّا، بحيث يَصعُب على الانسان الواحد أن يتخصَّصَ ويَتعمَّق في أكثر من تخصُّص واحد، ويفهم جميع أبعاده، وهذا يعني فصْل العلم عن الدِّين، فاذا وافقت مُعطياتُ العلم مُعطياتَ الدّين وافقت، واذا لم توافق لم توافق.
ثانيا: يوجدُ في التّاريخ الإسلاميّ فلاسفة وعُرفاء ومتكلِّمون لم يَعطوا الأولويَّة للنُّصوص المُقدَّسة مع ايمانِهم بها، فالشّيخ الرئيس ابن سينا مثلا اتّبع الموضوعيّة التامّة في بحث امكانية المَعاد الجِسمانيّ مثلا، وتوصّل الى أنَّه مُحال - حسب ما أذكر - وبالرغم من ذلك يقول بأنَّه ونظراً لإيمانِه بالنُّصوص المُقدَّسة يُؤمن به. ففي اعتقادي ان حصر عدم تدخل النظريات الايديولوجية في العلم الحديث بعدم ايمان العلماء بها أصلا حصر غير مقبول بشكل كامل.
شكرا للقراءة..
السبت، 16 يوليو، 2011
قراءة في كتاب الحلّ الوجوديّ للدّين: انقلاب المعبد
قراءة في كتاب "الحلّ الوجوديّ للدّين: انقلاب المعبد" لـ "عبدالرزاق الجبران"
مولاي احمد صابر
أخذ جدل الدين والإنسان حيّزا كبيرا في الموروث الثقافي الإنساني، فكثيرا ما يسود الاستبداد والظلم والاستغلال باسم الدين، كما هو الأمر مع فرعون وغيره من الطغاة والمتسلّطين، فبين الفينة والأخرى يُبعث أنبياء و مصلحين يقلبون مفهوم الدين رأسا على عقب، و يصير هذا الأخير في خدمة الإنسان بشكل عام بدل خدمة السلطان، كما هو الأمر مع نبي الله موسى وعيسى، و محمد و من سار على نهجهم، كأبي ذر الغفاري و غيره.
الفكر الديني الإسلامي هو الآخر لم يسلم من داء السلطة والتسلّط، فهو اليوم أكثر من أيّ وقت مضى يَعرف اختلالات عميقة في صلة الإنسان بوجوده، و بمحيطه و بالخالق. إنها أزمة الرّكود و اللاموقف واللامعنى، وليس هناك عقل على الإطلاق حُظِي بالدّراسة والتحليل أكثر ما حظي بها العقل العربي الإسلامي، بدءا بكتاب نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري، ومفهوم العقل لعبد الله العروي، وفي نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون، والعمل الديني وتجديد العقل لطه عبد الرحمن، و اغتيال العقل لبرهان غليون، و أزمة العقل المسلم لعبد الحميد أبو سليمان، و إعمال العقل للؤي الصافي، وغير ذلك من الدراسات و الأبحاث الجادّة التي بحثث و تبحث في أغوار هذا العقل المأزوم، الذي شكّل النصّ الديني محورا أساسيا في بلورته و تشكيله.
فعلى خُطى أبي ذر الغفاري، و بنَفَس كل من " كيركجارد" و "علي شريعتي "، وبقالب يطغى عليه نوع من اليقظة العلمية و المعرفية، يُجسِّد عبد الرزاق الجبران أزمة العقل المسلم في أزمة وجود، هذه الأزمة المختنقة صار الدين فيها مهيمنا على كل مناحي حياة الإنسان، فرجال الدّين لم يتركوا صغيرة و لا كبيرة إلا و أفتوا فيها برأي. قد "أقحم المعبد نفسه بكل شيء، لم يَترك شاردةً أو واردةَ إلاّ و حاول أن يغلفها بالدين … دخل على شكل اللحية و طولها، على اللباس، على الحمّام، على ليلة العرس و كل زواياها، على الألعاب البريئة للأطفال، على الأذواق، على المسرح، على السينما، على الموسيقى، الرسم، كرة القدم، طريقة النوم، ناهيك عمّا كان من فتاوي في أول القرن الماضي مع مجيء التقنية الحديثة و تحريم الهاتف، القطار، التلفاز، تعلم اللغة الإنجليزية" ص53. و بهذا الشكل فَقَد الإنسان وجودَه و كيانَه الباني للمعنى والمؤسِّس للمواقف، وفي نظر الجبران أن الدين لم يأتي إلا من أجل أن يهبَ الإنسانَ وجودَه الخاصّ به، "فالنُّسَخ الدينيّة اليوم لم تَعُد تصنعُ الإنسان .. بل غَدَت منظومةً تَسلُب منه وجوده و تخرص فيه إنسانيّته" ص29. ورغم أن الدّين هو السبب في المشكلة، فالجبران لا ييأس في أن الحل سينبثق من الدين نفسه، و يكرّر مقتنعا مقولة "أن الدين هو الحل" ص13، رغم امتعاضه من هذا الشعار لنَسَبِه الإسلاموي السّلفي، و ينظر الكاتب للكثير من الفلسفات بأنّها تسلب من الإنسان إنسانيته، باسم العقل والعقلانية وأي عقلانية هذه التي يَصبح معها الإنسان شيئا آخر؟
و قصْد الخروج من هذه الأزمة يقترح الكاتب الحل الوجودي للدين، و هذا الحل في نظره "لا يريد إلحاق الدين بالوجودية، بقدر ما يريد أن يجعل من الدين وجودا إنسانيا، لذا الوجودية التي ـ يسعى ـ إليها ليست ذلك المذهب الديني في خط كيركجارد، وإنما مزيج من الثقافات و الاتجاهات و التجارب، و كلمات دينية و أخلاقية و جمالية و صوفية و فلسفية و أدبية على طول التاريخ، أنتجت معنى إنسانيا وجوديا حياتيا" ـ غلاف الكتاب ـ. و هذا الحل في نظر الكاتب لا يتحقق إلا بانقلاب المعبد، وهو العنوان الذي عَنْون به كتابه الحل الوجودي للدين انقلاب المعبد.
أين يتجلى المُشْكل "المشكلة"؟
"في هذا العالم، أحيانا لا تدخل على الحياة إلا بالخروج عليها .. و لن تصلّي حتى تترك الجماعة .. و لا تؤمن بالله حتى تكفر بالمعبد الذي يرفع اسمه .. و لن تعانق الحكمة حتى تتخلّى عن كتب فلاسفتها ". ص13.
بهذه العبارة المختصرة يُجسّد الكاتب أصل المشكلة ويحدد الحل في الوقت ذاته، فالمشكلة "هي مع الدين في عين تطبيقه الفقهي و الكلامي" ص 30. هذا التطبيق فصل الدين عن الواقع، بل سلب منه طعم الحياة، وغدا الدين أمرا غير واقعيا فبدل أن "يرفع الدين عبء الحياة عن الإنسان أصبح بذاته عبئا، بعد أن حُوّل إلى قناة تستهلك الإنسان في عقله وحُبّه وماله وأحلامه ورغباته" ص 30، وليس القصد من الواقع هنا أن الدين جاء ليتماهى مع انحرافات الواقع و سلبياته و حماقاته التي تبحث عن المعنى في فضاء اللامعنى، أو تبحث عن العمق على سطح ورقة، بل المقصود أن يكون الدين واقعا، لا غريبا عن حياة الإنسان ووجوده، حينها "يستطيع أن يعيش مع طبيعة الإنسان بسلام و نجاح. ناهيك على أن يُصيِّر وجوده، ويجعل منه وجودا حقيقيا، مؤثّرا مبدعا، ذا معنى .. يُعينه على حلّ إشكاليّاته و مُعاناته الطبيعيّة الوجودية.." ص 30، و بهذا فالدين لم يأتِ مستبدا و متسلطا باسم "الله" على الإنسان ووجوده، فالدّين والذات المتديّنة هي المنسجمة مع الوجود وليس العكس، فالناس اليوم، الإسلاميون خاصة ورجال الدين منهم، ومن صار على نهجهم ذهبوا ضحيّة ثرثرة الكتب وركام المؤلفات، فهم لا ينظرون إلى الدين والإنسان "بما كُتب لهم عن جبرائيل وإنما بما كَتبوا هم عن جبرائيل … وليس بما قَرأ القران عليهم و لكن بما قرؤوه عن القران" ص 29، فمن الطبيعي بما كان أن يحصروا مشكلة الناس في عدم تطبيق الدين في الحياة، و الدين هنا في نظرهم هو ثرثرة مؤلفات الفقهاء و أهل الكلام وغيرهم ممن يدورون في مدارات الطائفيّة والمذهبيّة، أليس هذا ما تدعوا له الحركات الإسلاميّة والأصوليّة اليوم متذرّعة بالتجديد؟، أمّا أن يكون الدين مؤسّساً وباعثاً لمعاني ومواقف جديدة في حياة الإنسان فهذا أمر مرفوض، وبهذا الفهم فالدين ما هو إلا قطعة مفصولة عن الحاضر والمستقبل، وتصير الاتجاهات الدينية ببنيتها بتعبير أدونيس "لا تخدم الدين إيمانا، ولا تخدمه اجتماعيا .. إنها وظائف لشيء آخر، إنها آلات" ص 29، و الآلة هنا هي شيء حسّي فقط، فاقدٌ للوجود ويستحيل معه المعنى، فلا يجدي نفعا ترديد أن الإسلام معنا بخير، وأن محطته فينا هي قدر الحقيقة ونهرها الوحيد، لأن أنهار الإسلام وجداوله لا تنتهي و لا تنقضي، فهي تتجدد في أجزائها وزواياها كما تتجدّد أشعّة الشمس كل صباح، فالحقّ واحد ولكن الطريق إليه متعدد.
إنّ الجزء الكبير من المشكلة يتجلى في الإفراط في عبادة الأسماء، الذي جَعَل الحقائق والمعارف تختفي من ورائها، قال تعالى: "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان"، فالعكوف على الأسماء ما هو إلا إعراض عن الفكرة كيفما كانت، فبتعبير مالك بن نبي "كلما غابت الفكرة انتصب الصنم" وربّما أن تعبير محمد إقبال أكثر دقة بقوله "كعبتنا عامرة بأصنامنا". فبدل البحث عن معنى جديد للصّلاة نكتفي بالفهم الموروث حولها، ولهذا كسبنا المصلّين ولكن "خسرنا الصلاة" ص 14، وبدل البحث عن معنى جديد للإسلام اكتفينا بما هو موروث حوله، وبهذا ربحنا ازدياد المسلمين عددا، و خسرنا الإسلام. لقد "كسبنا من الإسلام أشياءنا و خسرنا منه أشياءه" ص 14، فالحقيقة ليست بعيدة، إلا أن عبادة الأسماء تجعل الطريق إليها عسيراً جدًّا، وأحيانا تجعل الوصول إليها مستحيلاً، لذا علينا أن نبحث عن الحقيقة خارج الأسماء، "فقد نجد شيئا منها لدى بوذا ... قد نجدها مع إنسان بلا صلاة خارج المعبد .. خارج الفقهاء، خارج الفلاسفة" ص 14 أحيانا.
الدين في أصله مفتوحٌ على المعنى وفاتحٌ له، إلا أنه بالعكوف على عبادة الأسماء سار مغلقاً عن المعنى، وهذا الأمر "يجد نفسه واضحا في فكرة الانقلاب على السنة النبوية وخصوصية تاريخيّتها، وحيثيات زمانها، ومكانها" ص143 على أساس أنها آخر إبداع الإنسان في جوانبه الوجودية، بينما أن ختم النبوة في حد ذاته ما هو إلا تجديد و انطلاقة أخرى في الانفتاح على المعنى، بدل العكوف على الماضي وما كان عليه الأجداد.
النبوة في أحد زواياها ما هي إلا تمرّد عن الآبائيّة، وتعطّش للمستقبل بدل الماضي وأمجاده، لأنها تقطن في صلة الحاضر بالمستقبل القريب منه والبعيد، أمّا الآبائيّة فتُعطي ظهرها للمستقبل وتقطن بالماضي. فمع النبوة يتّسع التاريخ، ومع الآبائية ينتهي و يتوقف معه كل شيء، بما في ذلك الإنسان الذي يكون شعاره حينها، [ليس في الإمكان إبداع أحسن مما كان]، أو المقولة المشهورة [لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها].
النبوة في أحد غاياتها لم تأتِ إلا لكي يضفي الناس معاني أكثر إنسانية على وجودهم وحياتهم، إلا أن المعبد ومن يحوم حوله اليوم، يحيل بين الناس و بين هذه الغاية النبيلة، "فالإشكاليّة تكمن في أصل البنية المعرفية لِمَا أُسّس تاريخيا في التراث باسم الدين، سواء في أصول الدين أو في أصول الفقه .. أو عموم فلسفة الدين ومفاهيمه وأهدافه .. أي عموم الوجود الديني، أو الشكل الذي يتواجد عليه" ص 164، فالعقل المسلم اليوم محكوم بما نُسِج حول النصّ ومفصول عن النص في الوقت ذاته، فبدل "أن يكون القرآن موضع قراءة منا" ص182، ينبغي أن ننظر إليه على "أنه موضع قراءة لنا" ص 182، لأن غايات الدين هي الإنسان بدل الدين ذاته. إلا أن الفقهاء جعلوا من الدين غاية "فالدّين عندهم غدَا أهمّ من الله ولكن بدون تصريح" ص 157، و "لم يكن همّ النبيّ كيف يتعلم الإنسان علوم دينه، بقدر ما كان همّه كيف يجعل الدين من الفرد إنسانا" ص 159، والذي ينبغي أن نتنبه له هو أن "الأنبياء شكّلوا الدين بإنسانيتهم" ص 171، وبهذا الشّكل فهم مُلْكٌ لجميع الناس، الكل فيهم سواء. إلا أن ما نُسج حول المعبد جعل من الأنبياء ملكا لشعب دون آخر، ولثقافة دون أخرى، وسار عيسى نبيًّا بما كتبَ الحواريّون حوله وليس بما جاء به، وكذلك محمّد نبيّ بما كَتب المعبدُ حوله وليس بما جاء به من الوحي [القران] ص 132، فهناك نبيّ الله محمد في أرقى درجات إنسانيته، و هناك النبي المفترى عليه في كثير من قضايا نبوّته ورسالته أحيانا. وكم نحن في حاجة إلى فهم منهجيّ بيْن محمد في القرآن ومحمّد في الثقافة الإسلامية، فليس في الدين المنزّل شيء اسمه الفرقة النّاجية أو ما شابه ذلك، قال تعالى: "ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب". ومع الأسف أن فهم الدين كثيرا ما "ينغلق على نفسه، ثمّ يتفرّع إلى مذاهب تنغلق على نفسها، ومن ثم تبدأ الحروب، ـ الكل ـ يدّعي الفرقة الناجية والصراط المستقيم" ص 147، يا للغرابة بما كان عندما يتحارب الناس بنصرة أنبيائهم، كأنّ بساط النبوة هو الموت بدل السلم والسلام والحياة. وجوهر المشكلة هنا هو أن الفكر الديني الموروث يصوّر التوحيد كمعادلة حسابيّة في صلتنا بالله الواحد الأحد، هذا صحيح من جهة، ولكن التوحيد في جوهره من جهة أخرى ما هو إلا توحيد للإنسان "إذ ليس التوحيد أن نرى الله واحدا في ألوهيته، بل أن يراك الله واحدا في فعلك .. موحّدا للإنسان و لقيمته، وقدره وحقّه .. مها كان دينه وجنسه ولونه وطبقته ونسبه، فقيرا أو غنيا، أسودا أو أبيضا، رئيسا أو مرؤوسا .. الكل يعود إلى إله واحد" ص 48، فبهذا المعنى قد تجد مسيحيا أكثر توحيدا من رجل دين مسلم، رغم اعتقاده بالتثليث.
مع الأسف نجد الفكر الديني المسيحي منه والإسلامي، غرق بحثا في ما هية "الله"، وهذا هو شأن علم الكلام قديما في الثقافة الإسلامية، الذي لازال مداه يصاحبنا اليوم، بما يطلق عليه علم العقيدة، رغم أن الدين لم يأت بشيء اسمه العقيدة، ولكنّه احتضن الإيمان وسؤاله، فكان من الأولى البحث في "الإنسان" وماهيته لأنّ الدين لم يأت إلا من أجل الإنسان بدل الله، ولم يأت إلا من أجل الحياة بدل الممات، وقد كان محمد إقبال محقا في قوله: "واعجباه القران الذي جاء ليهبك الحياة يقرأ عليك إذا حضرتك الوفاة" فالبحث في ماهيّة الخالق بدل المخلوق، ما هو إلا نوع من الموت في حق الإنسان، فعلى هذا المنوال أخرج الفكر الديني الناس من دائرة الحياة إلى دوائر الموت في الإبداع والمعنى، والإدراك والتفكير، و الضمير والعقل…، وقد كان أدونيس محقا في قوله "سوف ترون أن ما يتراجع هو الحياة وأن ما يهجم هو الموت" ص 29. ولهذا نجد العقل العربي الإسلامي عقلا محنطّا يطبعه الجمود والتخلف في أكثر صوره، لأن المنظومة التي تحكمه "منظومة بشرية أدّعت المقدّس، كلّما أخذ بها الإنسان كلّما غدا أكثر تخلفا وأدنى إنسانيّة" ص 29، لأن الإنسان لا ينال إنسانيته إلا من خلال تجديد نظرته للحياة و للأشياء وللكون بما فيه، بعيدا عن النصيّة والحرفيّة في فهم النص، أي ما يعرف بالسير على خطى السلف الصّالح.
لقد أعرض الفكر الديني على ما استحضره النبيّ في تجربته البشرية، "النبيّ كان نصب عينه أن الإنسان سيرورة تاريخية لا يمكن للنص أن يرافقه في كل شيء" ص 168، أي أنه "تعامل بمرونة وانفتاح على النص بعيدا عن الحرفية والصورية " ص 168، و بهذا المعنى أن النبي كان ضد أي شكل من أشكال السلفية و الماضوية التي يستحيل الإبداع معها خارج النص، بدعوى "أن لا حقيقة دونه .. وأن الوجود لايحمل شيئا يمكن أن ينفع الإنسان إلا وكان في النص" ص 168، وهذا سبب من أسباب الانحطاط الإسلامي في جماعته.
ومن هنا فلا معنى لمقولة "لا اجتهاد مع وجود نص" في نظر الكاتب، فالدخول إلى الحياة بالخروج عليها في نظره ما هو إلا خروج عما نسج حول النص من مفاهيم حول الحياة، و الصلاة في نظره التي لا تصدق إلا بترك الجماعة ما هي إلا إعراض عمّا كتب حول الصلاة التي غدت شكلا بدون جوهر، والإيمان الذي لا يصدق إلا بالكفر بالمعبد الذي يرفع اسمه ما هو إلا خروج من الفهم المغلق لله و للإنسان و للوجود إلى الفهم المفتوح، و بهذا فالكاتب يجعل من الإنسان وجودا مقابلا للنص، بل يغدو أكبر منه أحيانا في وجوده، فلولا الإنسان لما نزل النص، وبهذا الشكل تزول سلطة الزمن، و يصير الناس سواء في صلتهم [ بالقران] الكل فيه سواء، أي الإنسان والقران وجها لوجه، كما عبر بذلك الأكاديمي التونسي ـ احميد النيفر ـ، ومن الواضح أن الكاتب لا يتجاوز النص [ القران] بقدر ما يتجاوز ما نسج حوله، كما أنه يرى في النص أنه مناصر للإنسان في وجوده، لأنه أدرى بماهيّته.
ونسأل الكاتب كيف نعانق الحكمة بالتخلي عن كتب فلاسفتها؟. فهو يقسم الفلسفة إلى شطرين، الفلسفة التقليدية التي يجعل أهلها من أنفسهم خاصّة الخاصّة، ولا يفصحون على نواياهم إلا لخاصة المجتمع، وبهذا الشكل جعلوا من أنفسهم أوصياء على الناس والمجتمع، فهل كان الأنبياء على هذا المنوال أم أنهم أناس يأكلون الطعام ويشمون في الأسواق، أي ملتحمين بقضايا الناس وهمومهم؟ فالفيلسوف التقليدي في نظر الكاتب "واحد يتكلم لغة صعبة من أشياتهم الفلاسفة فقط" ص67، فعلى هذا المنوال كان كل من ابن سينا وغيره، وكانت الفلسفة مع البعض منهم "كنوع من التفتيش من قبل أعمى عن قبعة سوداء في غرفة ظلماء والقبعة غير موجودة أساسا" ص 67.
صحيح أن ابن سينا له حمل معرفي كبير ولقد استحق لقب الفيلسوف بذلك، لكن هل ابن سينا يعرف الله أكثر من أبي ذر؟ خاصة "إذا أخذنا المدارات المعرفية للإلهيّات في الذات الإلهية، التي لم تكن أصلا في زمن أبي ذر ... إذ مع ذلك يخرج أبو ذر جاهلا لله ولوجوده، بينما المعروف أن أبا ذر يمثل حدثا تاريخيا وهو القيمة المعرفية الأولى لتقييم المسار. حدث غيّر المسارات، ورسم صورة يتشرّبها العالم والجاهل ... بينما ابن سينا يمثّل حدثا ذهنيّا بقي خارج الواقع يدور في أروقة، مثل ثرثرة يدوخ بها المجتمع ... كأي ثرثرة يدوخ بها الفرد" ص 74، وبهذا فحركة أبي ذر في جهة الله هي أكبر بكثير مما كان مع ابن سينا، فالفلسفة بدرجة أولى في نظر الكاتب هي فلسفة الحياة، وهذا هو الشطر الثاني من الفلسفة الذي مثله أبو ذر الذي نحت موقفاً في التاريخ دون فلسفة الفلاسفة، ففلسفة الحياة تقتضي الوجود في شارع الموقف، والفكرة إلى جانب الجماهير قبل أوراق الفكرة، والمثال الأبرز هنا في هذا الخط هو الفيلسوف الإيطالي المعروف أنطونيو كرامشي كمثقف حركي وكزعيم ومؤسس للحزب الشيوعي الإيطالي، فهو أول من بلور مقولة "المثقف العضوي، إشارة إلى الوحدة العضوية بين الجمهور وأهل الفكر" ص 66، ففي نظره أن الفلسفة التقليدية "لم تستطع خلق وحدة إيديولوجية بين الأسفل والأعلى، بين البسطاء وأهل الفكر، كما أنها أبهرت عداءها للحركات الثقافية التي تريد أن تتجه إلى الشعب" ص 67. هذه الوحدة العضوية التي يبحث عنها كرانشي سنجدها في النص القرآني الذي تحدث عن الناس وعن الإنسان كمفردات مقابلة لمفردة الجلالة، ففي نظر علي شريعتي أنه من "الممكن استبدال لفظة الجلالة بمفردة الناس في أغلب الآيات القرآنية، دون أن يحصل إرباك في وحدة النص" ص 66، فالحكمة في النصّ ملك للجميع وليس حكرا على أحد، وحتى الأنبياء لم ينالوا درجتهم تلك إلا بإنسانيتهم، وليس بما كتبوا من الكتب، ولا نقلل هنا من أهمية الكتابة، إلا أنّها ينبغي أن تكون من أجل الإنسان، وهذه هي رسالة القرآن، رسالة من أجل الإنسان، فالفيلسوف والحكيم والنبي هو الذي يسعى لصناعة الإنسان بالبحث في معاني الحياة وصلة الإنسان بها، ولهذا فأبو ذر كان أكثر حكمة في فلسفته، بتمرده على الخليفة وخروجه عن المعتاد، حبا وعشقا لإنسانية الإنسان، وبهذا صار وريثا للنبي في مواقفه، بينما ابن سينا غير ذلك، لأن النبي لم يكن همّه تحويل الدين إلى علم ذو أبواب وضوابط ... كما يحلو للفيلسوف والفقيه. إلا أنّ المسلمين بعده جعلوا من الإسلام علما محكما مفصولا عن الإنسان وفلسفته في الحياة في كثير من الأحيان، وهذه هي مصيبة الإسلام الكبرى إذ أخذ الناس نسخة علوم الإسلام على أنها الإسلام ذاته، وضاعت بذلك معاني الإسلامي ومواقفه وفلسفته في الحياة، ومع الأسف لازال حيز كبير من الناس في المشرق في مؤسسته الدينية "على أنفاس ابن سينا في الإطار العام للفلسفة بنمطها التجريبي، وبتشبث يوحي على أن تلك الفلسفة جزء من التدين" ص 15.
والذي ينبغي أن تتيقظ له عقولنا هو أن "الحكيم الفيلسوف منتجٌ للمعنى، أو فنّان بالمعنى العام في جهة المعنى .... قد يبدعها في نص أو في لوحة أو في موقف أو في موسيقى، الحكمة ليست نصّا أو علما فقط، لمَا لا يكون بتهوفن أكثر سماعا وحكمة، وإلا كيف أسمعها الآخرين بموسيقاه..." ص 7، وليس بتهوفن لوحده بل الكثير من الذين لهم نزوع نحو الخلود بصدقهم في كلماتهم وأصواتهم وألحانهم المعانقة للإنسان في همه وكربه وفرحه، ونأخذ مثالا على ذلك مجموعة ناس الغيوان المغربية، التي كانت مرآة صادقة لمحن الإنسان خاصة الشعب المغربي في لحظة حرجة من الزمن، رغم أن هذه المجموعة لم تدرس فلسفة الفن وأبوابه في المعاهد العلمية، ولم يلزمها لبلورة وانتقاء كلماتها وأشعارها الممتدة المعنى والحاسمة في الوقف شهادات دكتوراه الدولة في الأدب الشعبي المغاربي وغير ذلك، ومن هنا تبقى مقولة "الفلسفة لا تقرأ في بطون الكتب ولا تدرس في محراب الجامعة" ذات نوع من المصداقية.
الحل الوجودي:
ارتبطت الوجودية في الكثير من صورها بـ (سارتر) أكثر مما ارتبطت بـ (كيركجارد) نتيجة المد الايديولوجي الماركسي، كما هو الشأن بالنسبة لنظرية التطور الدروينية التي احتُفل بها في أروقة الأيدولوجيا أكثر ممّا احتُفل بها في أروقة العلم، لأن كل من سارتر ودروين على خط ومسار التوظيف الايديولوجي الماركسي، ولهذا كلما ذكرت الوجودية إلا وقفز الذهن إلى أنها إعراض عن الغيب والتخلّي عنه، بينما أنه "إذا كانت هناك مدرسة في التاريخ الفلسفي سيما الحديث تستحق بجدارة لقب المدرسة اللاهوتية قبل كل شيء فهي المدرسة الوجودية في صورتها الأولى، أو لنقل خطوتها الكيركجاردية بالتحديد" ص 189، والتي من أهم مميّزاتها هي تمرّدها على التديّن التقليدي ورجالاته نتيجة الفظاعات التي يرتكبونها باسم الدين، ومن ثم على مفاهيمهم التي يستحمرون بها الناس، فهذا التمرّد في غايته ووجهته هو تمرّدٌ من أجل الدين ليس إلا، فكثيرا ما "يجمع البعض في توصيف كيركرجارد بين كونه مفكرا ذاتيا كـ (نيتشه) وفيلسوفا دينيّا كـ (بسكال) رغم أن تلك الصفتين تختصرهما صفة الوجودي ..، أزمة ذلكَ الحذر بمنحه صفتين نابعٌ من عدم قدرة البعض على الجمع معرفيّا بين الوجودي واللاهوتي، وعدم القدرة على الاقتناع بأن الوجودية عنوان لاهوتي في الصميم" ص 192، في غفلة على أنّ الأنبياء كانوا أكثر ذاتيّة في فهم الحياة وأكثر لاهوتيتة من غيرهم، إذ لم يسلبهم ما كدِّس من المعرفة الدينية وما هو مسلم به عند الناس، وبعبارة أدق أنهم كانوا ضدّ الفهم الديني الذي حوَّل الدين إلى أشكال وطقوس ميتة، فمحمد النبي لم يكن ضد الصلاة التي وجدها في مجتمعه القرشي ولكن علم بذاتيته أنها صلاة بلا جوهر وبلا روح، ولهذا شقّ طريقا آخر للصلاة قال تعالى: "وما كانت صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية" وقاطع المعبد الذي يجتمع فيه قريش، وهذا الموقف نفسه بقالب آخر تكرّر مع كيركجارد بقوله: "إذا امتنع المرء عن الذهاب إلى الكنيسة فإنه يُقلّل من عدد خطاياه" ص 195، إذ لم يعد للدين أي دور وأي معنى مع الفهم الكنسي الذي زوَّر عقيدة المسيح، وجعل الدين في خدمة السلطان، وهذه هي جوهر المشكلة في زمن نبوة محمد، إذ كان الدين في خدمة أبو سفيان ومن معه، إلا أن محمدا قلبه رأسا على عقب وجعله في خدمة الإنسانية أجمع، ومع الأسف أن كهنة الإسلام ورجال الدين خالفوا نهج النبوة وتمسكوا بدين قريش، وسار الدين في معظم صوره في خدمة بلاط الخليفة، وبين الفينة والأخرى يظهر رجال الإصلاح، وهذا ما يزعج دولة الخليفة. ونحن هنا عندما نقارن بين واقع المسيحيّة وتاريخ الإسلام فإننا ننظر إلى النتائج والنهايات، لأن الفهم المقلوب للدين يفضي إلى نفس النتائج مع اختلاف تمظهراتها وأشكالها.
إن الوجودية بهذا المعنى هي النظر إلى الإنسان كأعلى قيمة في الوجود، فهو أولى من غيره حتى من الدين نفسه، و"لقد وجد كيركجارد في أعمق وجوديته أن الكنيسة تقوم بتزوير الوجود أكثر من غيرها من الطغاة والدجّالين … ولهذا كانت تهمته التي يوجهها إليها هي أن كل شيء يقوم على الكذب … فعبادة الله ليست إلا سخرية من الله" ص 196، وبهذا فكيركجارد يدعو إلى البحث عن الحقيقة وعن ماهية الله وعن ماهية عباده، وهذا سيكلف الكنيسة نوعا من التخلّي عن ماهي عليه من المسلّمات والبحث في حقائق الدين بشكل عام، ولاشك أن هذا سيأخذها إلى ماهيّة مفهوم الوحي والكتاب والرسالة وهل النص الديني بلغ نهايته وتكامله مع العهد الجديد أم مع القرآن الكريم؟ وهذا ما تخشاه الكنيسة إلى يومنا هذا، وبالتالي لم تستثمر الوجودية بالشكل المطلوب، كمدخل من مداخل الإصلاح الديني، "فالوجودية الحقة رسالة إنسانية، لا معرفية تعلّم الناس معنى الوجود الإنساني، أو كيف يكونوا إنسانيين، بدل أن تكون إضافة من الإضافات المعرفية كما هو شأن التكديس والتراكم التاريخي لمزابل المكتبات القومية والمذهبية والدينية" ص 211.
وبهذا الشكل فالإنسان هو الذي يحدد وجوديته، إذ هو الذي يصبغ الحياة بالمعنى، وبذلك فلكل إنسان وجوديته، وعلى هذا المنوال تبقى الوجودية أكثر انفتاحاً في أبعادها وزواياها الممتدّة في أغوار الحياة، " فكيفما يكون الإنسان يكون الوجود" ص 214 ، " فالوجود للشعب العربي أيام النبي غيره في زمن معاوية، وغيره في زمن السلاطين، وغيره في زمن السلفية … بصورة أخرى إن الإسلام حقق ماهية وشخصية للوجود العربي، أنتجت لهم وجودا أيام النبي، خالف ما كان الوجود عليه أيام معاوية بقصوره وغوانيه وعنصريته" ص: 215.
ولقد امتد الإسلام بتجديد ماهية وجود الشعوب التي اعتنقته كالفرس والأتراك والأمازيغ، فوجود هذه الشعوب والثقافات انبثق وتجدّد وازداد تماسكا بفضل صِلَتها وارتباطها بالنصّ القرآني، ولولاه لحصل لها نوع من الاندثار والزوال والتّيه الوجودي.
وقصْد استرجاع الوجود الإسلامي في قالبه الإنساني المتّسع بالضرورة الأخذ بالحلّ الوجودي، وليست غايتنا هي التركيز على الوجودية كمبحث وغاية بقدر "ما نريد تناول الإشكاليّة الدينيّة والإنسانيّة في حلّها، وهو حلٌّ انقلابي ليس لأنه وجودي، ولكن لأن الدين مقلوب أصلا، وأن عودته إلى وضعه الطبيعي لا تتم في اعتقادنا إلا بالحل الوجودي، أو أقلها بمشاركة ذلك الحل" ص 210.
وجوهر هذا الحل هو إعادة بناء العلاقة بين الله والإنسان والوجود، وقد كرس المرحوم أبو القاسم حاج حمد حياته للبحث في جدل هذه العلاقة الثلاثية الأبعاد، خاصة من خلال كتابه "العالمية الإسلامية الثانية جدل الغيب والإنسان والطبيعة". هذا الحل يفتقد فيه المعبد مركزيته ويصير كل ما نسج حوله مقلوبا، فالإنسان أولى من المعبد ورجالاته في فهْم قضايا الدين والدولة والمجتمع والكون كمحراب للبحث عن الحق والحقيقة.
الخميس، 30 يونيو، 2011
عجائب "بلاد العُرْبِ أوطاني"
عجائب في "بلاد العُرْبِ أوطاني"
علي داود اللواتي
تمجيدُ الطُّغاة:
حبُّ الحكومات المُطْلقة:
ما لا أستسيغه أبداً هو كيف يُمكن أن تَقبل حُكماً مُطْلقاً لفرد واحد لا يَرضى أن تُشاركه الرأيَ في صنع قرار يَخُصّك أنت وعائلتَك وأولادَك ومسقبلَك وحاضرَك حتّى لو كان "عادلاً". فعدالةُ العادِل لا تَكفي عندما يَكون في مَوضِع الحُكْم لسبب وراثيّ بحت في نظري، فالمستبدُّ مستبدٌّ حتى لو كان عادلاً، والديكتاتورُ ديكتاتورٌ حتى لو كان مثقّفاً أو منفتحاً!. ظاهرة عجيبة في "بلاد العُرْبِ أوطاني" وهي أنَّ قاطنيها يُحبّون أن يكونوا مَمْلوكين، ويريدون فعلاً وبكلّ "وعي" أن لا تكون لهم كلمة في تقرير شؤون البلاد. طبعاً الإضطرار الى قبول الحُكم المُطلق - لعدم توفّر الظّروف المناسبة مثلاً - شيء والرّضا القلبيّ به شيء آخر، ونحن هنا نتكلَّم عن الرّضا القلبيّ!. ويَزيد استغرابي عندما تكون هذه الحكومات المُطْلقة لا تُؤدِّي واجبَها تجاه الوطن والمواطنين "كما ينبغي" – من دون ذكر أمثلة!.
الدّولة التي لم تَتَحقّق أبداً:
توجد صورة دولة في ذهن "بلاد العُرْبِ أوطاني"، هذه الدولة لم تتحقق أبداً حتى في عهد النبيّ الخاتَم، هي نفسُها "مدينة أفلاطون الفاضلة". ذهبَ زمنُ المثاليّات والأنظمة الشُّموليّة التي كانت تدّعي احتكار الحقيقة والسعادة للبشر، ولكن في "بلاد العُرْبِ أوطاني" مازالت مثل هذه الأنظمة تَجدُ لها سوقاً واسعاً.
الأربعاء، 29 يونيو، 2011
ماهي الفلسفة؟ (الجزء الثالث: الفلسفة فنّ للعيش)
ماهي الفلسفة؟
الجزء الثالث: الفلسفة فَنّ للعيش.
(فلسفات عصرنا - جان فرانسوا دورتيي)
يتوفُّر للذين يُبقيهم أملُ الوصول الى المعرفة النهائية على شكِّهم، طريق ثالث هو: الفلسفة فنّ للعيش. بدأ هذا الموضوعُ يُصبح هدفا للبحث مع فلاسفة كِبار كالأبيقوريين والرواقيين (أتباع زينون) وفلسفات الشَّرق والنظم الصوفية القديمة التي كانت تدرِّس قواعد الحياة وتمارين روحية كي يسير عليها وجودُها. يُقدِّم لنا الفلاسفة وصفةَ السعادة في أشكال عِدَّة.
يًدعِّمُ أبيقور (341-270 ق.م) الذي نأخذه خطأً على أنَّه داعية الى الإنحراف، فكرة أنَّه علينا كي نبلغ السعادةّ الشخصيةَ أن نُخفِّف احتياجاتنا وأن ندفع بعيدا عنَّا المُتع التافهة والزائفة كالتَّرف والسُّلطة والشُّهرة وأن نبتعد عن الشهوات. شهوة الحبّ نفسُها هي عنده مصدر للألم أكثر منها مصدرا للرِّضا. توجد السعادة إذن في الفضيلة والفضيلةُ في الحكمة. وعلى كلّ حال فقد شكَّل أبيقور حياته على هذا النحو. وفي أثينا التي استقرَّ بها بقي على هامش اضطرابات الفترة التي عاش فيها. أنشأ مدرسةً للفلسفة على قطعةِ أرض اشتراها، هي "مدرسة الحديقة". عاش حياة بسيطة اعتنى فيها بالصداقة والفن والعلوم مُنعزِلا عن الحياة الحافلة للمدينة وعن طموحاته المُفرِطة. كانت مدرستُه شبه زاوية مفتوحة للجميع رجالا ونساء شبابا وشيوخا، أثينيين أو أجانب.
الأبيقورية هي رفض للسباق الجامح نحو المُتع، لكنَّه رفض يختلف عن التقشُّف والزهد. أن يكون الإنسان سعيدا بالنسبة لأبيقور ومُريديه هو أن يختار بين الأساسي والتابع أو الثانوي، بين الطموحات التافهة وتلك المهمَّة حقيقة.
يبغي التَّحكُّم في الشهوات عند الرواقيين أن يكون صارما. تقترح علينا الرواقية تقبُّل ما يحصل لنا، إذ لا يمكن البحث عن المنافع الصَّعبة المنال إلاَّ التسبُّب في شقائنا، وصيغة التقشُّف عندها جذرية فهي تدعو الى الزُّهد التام في خيرات هذا العالم. ينبغي التجرُّد من كلَّ شيء وبلوغُ العوز للوصول الى الخير المُطلَق. نجد طابعا بوذيا في هذه العِظة المتعلّقة بالزهد و"التحكُّم في الذات" بإلفاء الرغبات الذاتيّة.
توجد صيغة أخرى للسعادة في فكرة "تحقيق الذات". يجزم أفلاطون في "أخلاق لنيكوماك" أنَّه لا يمكن للإنسان بلوغ السعادة إلاّ بقيامه بوظيفته الخاصَّة به. ونقول اليوم إنَّ الإنسان لا يكتمل إلاَّ عندما يجدُ طريقَه. "كن كيفما أنت"، "حقِّق ذاتَك"، "تحمَّلْ أعباء حياتك": هذه هي الرسالة العمليّة التي يوجِّهها لنا بعض المُفَكِّرين. لكن كيف نعرف ماهيّتنا؟ ولأيّ شيء وُجِدنا أو نصلُح؟ طُرِح السؤال التالي ذات مرة على إبيكتتوس (حوالي 50-125 ب.م) من احد تلاميذه: "كيف يعرف كلّ منّا ما يتلاءم مع دوره؟" فأجاب قائلا: "هل يعرف الثورُ من تلقاء نفسه كفاءَتَه عندما يخرج عليه أسد؟ أيّ منّا يمتلك هذا النوع من الكفاءة أو القابليّة سيعرف هذا الأمر". بعبارة أخرى لا نستطيع أن نعرف مُسبَقاً ماهيّة طبيعتنا. لا نكتشِف كفاءاتنا وأذواقَنا الحقيقيّة و"طبيعتنا العميقة" الاّ إذا دخلنا المعركة، إذا شرعنا في العمل.
رفض كثير من الفلاسفة إذن الصورة الإرتدادية لسعادة "مُتعِية" تنتُج فقط عن المُتع الشخصية. يرى معظمُهم أنَّ السباق الجامح نحو المُتع الانانية لن يقود في النهاية الاّ الى عدم الرضا. فالسعادة إذن ربَّما توجد في التخفيف وربَّما في الإنتشاء الصوفي. بإمكانها أن تكمن أيضا في هِبة الذات (من أجل الآخرين) كما ستدرِّس ذلك الاخلاقُ المسيحية. والمفارقة عندئذ هي أنَّه لا يمكن العثورُ على السعادة الشخصية الاّ إذا قرَّر الإنسان نسيانَ ذاته بعض الشيء.
وهم السعادة:
يبقى أولئك الذين يرون أن البحث عن السعادة ليس جديرا حقيقة بفيلسوف. فكرة السعادة لدى كانط هي منتوج خيالي وأمل وهمي وسراب فكري. يستقي الإنسانُ اعتبارَه وكرامتَه على كلِّ حال من الواجبات التي عليه القيام بها وليس من البحث عن المُتَع الشخصية.
أكثر سوداوية وتشاؤما من هذا اولئك الذين لا يعتقدون اطلاقا بإمكانيّة وجود السعادة، وهي حالة أرثر شوبنهاور (1788-1860) الانتحاري التشاؤمي السوداوي. في كتابه الكبير"العالم باعتباره إرادة وتصورا" (1818)، يُسجِّل بعنف: "إنَّ أبديّة الآلام هي نفسُها جوهر الحياة (...) الحياةُ بحر مليء بالصخور واللجَج،ولإتصافه بالحيطة والحذر يستطيع الإنسانُ تجنُّبَها ويعرف مع ذلك (...) أنَّه يمشي شيئا فشيئا الى الغرق الكبير والتام الذي لا يمكن تفاديه أو علاجه، وأن شاطئه هو مكان خسارته وموته".
يُدرِّس فردريك نيتشة (1844-1900) بخصوص البحث عن السعادة التشاؤمَ والإحتقارَ نفسيهما. أمَّا معاصِرنا إميل ميشال سيوران فيدفع الى الآخِر بالسخرية من وَهْمِ السعادة. تبدو رؤيتُه المُتقزِّزَةُ والمتشائمةُ من الوضعية الإنسانية في عناوين كتبه: الواضح في الانحلال/التعفُّن، قياسات الكآبة، وحتى: "في مساويء أن يولد الإنسان".
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)